محمد متولي الشعراوي
6393
تفسير الشعراوى
هذه - إذن - أمور تعرفها بالبديهة ، ولا تحتاج إلى بحث أو جهد . وهناك أمور قد تتطلب منك جهدا عقليا تبحث به عما بعد المقدمات ، مثل الجهد العقلي الذي استدل به العربي على أن هناك إلها خالقا يدير هذا الكون ، فاستدل من البعرة على وجود البعير « 1 » ، وأن أثر القدم يدل على المسير ، واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات الأبراج ، والأرض ذات الفجاج ، والبحار ذات الأمواج ، كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير . كل هذه الأمور لم يقدر العقل إلا على الحكم عليها جملة ، وإن لم يعرف التفصيل . لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقا ، صانعا ، حكيما ، لكنه لم يعرف اسما له ، وهذا أمر لا يعرفه الإنسان بالعقل ، ولا يعرف أيضا ما هو المنهج المطلوب لهذا الخالق ، وبماذا يجزى المطيع له ، ولا بماذا يعاقب العاصي له . إذن : لا بد من بلاغ عن اللّه تعالى يدل على القوة التي اقتنعت بها جملة . والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقا ، لكن لا يعرفون اسمه ، ولا مطلوبه . إذن : فأنت لا تعرف اسم اللّه إلا منه ، عن طريق الوحي إلى رسوله ، ولا تعرف مطلوب اللّه إلا من الرسول الذي أنزل عليه البلاغ . ومن رحمة اللّه بالإنسان أنه سبحانه قد أرسل رسولا ، ومع هذا الرسول معجزة هي القرآن ؛ لأن العقل حتى حين يهتدى إلى قوة القادر الأعلى سبحانه ، فإنها ستظل بالنسبة له مبهمة ، وحين أنزل الحق سبحانه القرآن الكريم فقد أنزله رحمة بعباده وبينة لهم .
--> ( 1 ) البعرة : رجيع ( روث ) ذوات الخف وذوات الظلف من الحيوانات . والبعير : ما صلح للركوب والحمل من الإبل ، وذلك إذا استكمل أربع سنوات . ويقال للجمل والناقة : بعير . والجمع : أباعر ، وأباعير ، وبعران . [ المعجم الوسيط ] .