محمد متولي الشعراوي
6391
تفسير الشعراوى
والأحكام حتى تنضمّ البينة من الرسل على البينة من الفطرية في الكائن . وهكذا يبيّن الحق سبحانه وتعالى مناط « 1 » الاقتناع بدين اللّه ، فقد يكون هذا الأمر مجهولا للخلق ، فيريد سبحانه أن يبيّن لنا أن هذا الجهل هو جهل غير طبيعي ؛ لأن الفطرة السليمة تهتدى قبل أن يجئ رسول يلفتنا إلى القوة العليا التي تدبّر حركة هذا الكون . وقد ضربت من قبل مثلا لذلك بمن سقطت به طائرة في الصحراء ، لا ماء فيها ولا طعام ولا أنيس ولا مأوى ، ثم غلبه النوم فنام ، وحين استيقظ وجد مائدة منصوبة عليها أطايب الطعام وأطيب الشراب ، ووجد صوانا « 2 » منصوبا ليأوى إليه ؛ فلا بد لهذا الإنسان أن يدور بفكره سؤال : من صنع هذا ؟ وهو سيسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يستمتع بشئ من هذا ، خصوصا وأنه لم يجد أحدا يقول له : أنت في ضيافتى . إذن : فلا بد أن يفكر بعقله . وكذلك الإنسان الذي طرأ على الوجود ، وما ادّعى واحد من خلق اللّه تعالى أنه خلق هذا الوجود ، وما ادّعى أحد أنه خلق السماوات والأرض ، وما ادّعى أحد أنه سخّر كلّ ما في الكون لخدمة الإنسان « 3 » . وكان من الواجب على الإنسان قبل أن ينعم بهذا ، أن يفكر : من الذي صنع له كل ذلك ؟ فإذا جاء رسول من جنس الإنسان ليقول له : أنا جئت لأجل لك اللغز المطلوب لك .
--> ( 1 ) مناط الشئ : كل ما تعلّق به من أمور . ونيط به الشئ : وصل به . [ اللسان : مادة ( ن وط ) بتصرف ] ( 2 ) الصوان : الوعاء الذي تصان فيه الثياب ، أو توضع فيه الأطعمة . انظر [ اللسان - مادة صون ] . ( 3 ) يقول تعالى في سورة النحل : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 ) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) [ النحل ] .