محمد متولي الشعراوي

6390

تفسير الشعراوى

والعربي القديم حين سار في الصحراء ووجد بعرا ملقى في الصحراء ، ورأى أثر قدم ، فقال : « البعرة « 1 » تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، وسماء ذات أبراج « 2 » وأرض ذات فجاج « 3 » وبحار ذات أمواج ، أفلا يدل كلّ ذلك على اللطيف الخبير ؟ » « 4 » . وهكذا اهتدى الرجل بالفطرة ، وهي بيّنة من اللّه . وقد أودع اللّه سبحانه في كل إنسان فطرة ، وبهذه الفطرة « 5 » شهدنا في عالم الذّرّ . وفي ذلك يقول الحق سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا . . ( 172 ) [ الأعراف ] إذن : فالبيّنة هي إيمان الفطرة المركوز في ذرات الأشياء . وقد تضبّب « 6 » الشهوات هذا الإيمان ، فلا يحمل نفسه على المنهج فيرسل الحق سبحانه رحمة منه رسلا تذكّرنا بالبينات الأولى ، وتدلنا على العلل

--> ( 1 ) البعرة : واحدة البعر ، وهو رجيع ( روث ) ذوات الخفّ والظلف من الحيوانات . ( 2 ) الأبراج : جمع برج ، وهي منازل الأفلاك في السماء أو هي الكواكب . وقيل : هي النجوم . [ لسان العرب . مادة : برج ] . ( 3 ) الفجاج : جمع فج . وهو الطريق الواسع بين جبلين . ومنه قوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ( 20 ) [ نوح ] . وقال : وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) [ الأنبياء ] . ( 4 ) هذه العبارات من خطبة خطبها قسّ بن ساعدة الإيادى في الجاهلية . كان أولها : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت . انظر البيان والتبيين للجاحظ ( 1 / 308 ) . ( 5 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » أخرجه أحمد في مسنده ( 2 / 233 ) والطيالسي ( 2433 ) ، والترمذي ( 2138 ) . ( 6 ) الضّب والتضبيب : تغطية الشئ ودخول بعضه في بعض . والضبابة : سحابة تغشّى الأرض كالدخان وقيل : الضباب والضبابة : ندىّ كالغبار يغشّى الأرض بالغدوات [ لسان العرب - مادة : ضبب ] .