محمد متولي الشعراوي
5850
تفسير الشعراوى
والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع ، وعلّة وجود ريح للشر « 1 » ، ورياح للخير ، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله ؛ هذا النظر يوضح لك أن الهواء له مراحل ، فهواء الرّخاء هو الذي يمر خفيفا ، مثل النسيم العليل ، وأحيانا يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة ، ولكننا نتنفس الهواء الساكن الساخن أثناء حرارة الجو ، ثم يشتد الهواء أحيانا ؛ فيصير رياحا قوية بعض الشئ ، ثم يتحول إلى أعاصير . والهواء - كما نعلم - هو المقوّم الأساسي لكل كائن حي ، ولكن كائن ثابت غير حي ، فإذا كان الهواء هو المقوم الأساسي للنفس الإنسانية ، فالعمارات الضخمة - مثل ناطحات السحاب - لا تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها ، وإن حدث تفريغ للهواء تجاه جانب من جوانبها ؛ فالعمارة تنهار . إذن : فالذي يحقق التوازن في الكون كله هو الهواء . ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصّل أمر الرياح وأوضح مهمتها ، وهنا يقول الحق سبحانه : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمّع في أشرعتها . وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدّى الشراع ، وانتقل إلى البخار ، ثم الكهرباء ، فإن كلمة الحق سبحانه : ( ريح طيبة ) تستوعب كل مراحل الارتقاء ، خصوصا وأن كلمة « الريح » قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت : من هواء ، أو محرك يسير بأية طاقة . وسبحانه
--> ( 1 ) ومن الريح ما يسخره اللّه ويجعله ريح خير ، مثل قوله تعالى عن سليمان عليه السّلام : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) [ ص ] والريح الرخاء هي : الريح اللينة السريعة التي لا تزعزع شيئا من مكانه . انظر [ اللسان مادة ( رخو ) ] .