محمد متولي الشعراوي
5847
تفسير الشعراوى
وهنا ملحظ في السير في البر والبحر ، فكلاهما مختلف ، فالإنسان ساعة يسير في الأرض على اليابسة ، قد تنقطع به السبل ، ويمكنه أن يستصرخ « 1 » أحدا من المارة ، أو ينتظر إلى أن يمر عليه بعض المارة ؛ ليعاونه . أما المرور في البحر ؛ فلا توجد به سابلة أو سالكة « 2 » كثيرة ؛ حتى يمكن للإنسان أن يستصرخهم . إذن : فالمرور في البحر أدق من المرور في البر ؛ ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول عن السير في البحر : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) [ يونس ] وهكذا لا نجد أن في الآية نفسها حديثا عن السير في البر ؛ لأن الحق سبحانه ما دام قد تكلم عن إزالة الخطر للمضطر في البحر ، فهذا يتضمن إزالته عمن يسير في البر من باب أولى . وإذا ما جاء الدليل الأقوى ، فهو لا بد أن ينضوى « 3 » فيه الدليل الأقل . ومثال هذا قول الحق سبحانه : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً . . ( 15 ) [ الأحقاف ] وجاءت كل الحيثيات بعد ذلك للأم ، ولم يأت بأي حيثية للأب ،
--> ( 1 ) يستصرخ : يصرخ طالبا النجدة . والصرخة : الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة . قال تعالى : فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ . . ( 18 ) [ القصص ] . وقال : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) [ يس ] . والصريخ : المغيث . [ اللسان : مادة ( صرخ ) . . بتصرف ] . ( 2 ) سبيل سابلة : طريق مسلوكة . والسابلة : أبناء السبيل المختلفون على الطرقات في حوائجهم ، والجمع : السوابل . والسلوك : مصدر سلك طريقا ومن يسلكون طريقا فهم سالكة . قال تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا . . ( 53 ) [ طه ] . [ اللسان : مادة ( سبل ) ، ( سلك ) ] . ( 3 ) ضوى إليه : انضم ولجأ . وينضوى في الشئ : يدخل فيه ويندرج تحته . [ اللسان : مادة ( ضوا ) . بتصرف ] .