محمد متولي الشعراوي
6318
تفسير الشعراوى
لو تناهى « 1 » إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع ؛ لأن النفس البشرية أغيار ، وقد تأتى للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها . ولو كان هذا القرآن باطلا ، فلماذا خافوا من سماعه ؟ ولكنه الغباء في العناد والكفر . وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ . . ( 5 ) [ هود ] وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم ؛ مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه « 2 » ، وهي انفعالات كراهية ، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى ، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما يسمع ، ولا يريد أن يظهر الانفعال . إذن : فالانفعال قد يكون قسريا « 3 » ، وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يتسللون ناحية بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليسمعوا القرآن ، وكانوا يضبطون بعضهم البعض هنالك ، ويدّعى كل منهم أنه إنما مرّ على بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مصادفة « 4 » . وفي ذلك يقول الشاعر :
--> ( 1 ) تناهى : بلغ ووصل . الإنهاء : الإبلاغ . أنهيت إليه الخبر : أبلغته له . ( لسان العرب - مادة : نهى ) . ( 2 ) قال قتادة : أخفى ما يكون العبد إذا حنى ظهره ، واستغشى ثوبه ، وأضمر في نفسه همّه . ذكره القرطبي في تفسيره ( 4 / 3324 ) . ( 3 ) قسريا : أي خارجا عن إرادة الإنسان . ( 4 ) وذلك أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يصلى من الليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق ، فتلاوموا . وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . . وهكذا إلى ليلة ثالثة حتى قال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألّا نعود ، فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا . ( سيرة ابن هشام 1 / 315 ) .