محمد متولي الشعراوي

6297

تفسير الشعراوى

والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ . . ( 73 ) [ الحج ] فلو اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن يخلقوا لهم ذبابة ، أو حتى لو حاولوا هم خلق ذبابة لما استطاعوا ، ولا يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط ، بل يتعداه إلى عجز آخر : . . وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ « 1 » وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) [ الحج ] فإن جاءت ذبابة على أي طعام ، وأخذت بعضا من الطعام ، فهل يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته ؟ لا ، وكذلك نرى ضعف الاثنين : الطالب والمطلوب . وهنا يقول الحق سبحانه : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ « 2 » حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) [ هود ] فالإحكام « 3 » لا يتناقض مع التفصيل ؛ لأن الحق سبحانه هو الذي

--> ( 1 ) الطالب : اسم فاعل . والمطلوب : اسم مفعول . أي : ضعف الإنسان الطالب ، وضعف الذباب المطلوب [ القاموس القويم ] قال ابن عباس : الطالب الصنم ، والمطلوب الذباب . وقال السدى وغيره : الطالب العابد والمطلوب الصنم . [ لسان العرب - مادة : طلب ] . ( 2 ) لدن : ظرف مكان أو زمان بمعنى ( عند ) مبنى على السكون وإذا أضيف إلى ياء المتكلم فصلت بينهما نون الوقائية وأدغمت في نونها مثل قوله : . . قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ( 76 ) [ الكهف ] وجاءت مضافة إلى ضمير المخاطب مثل : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . . . ( 8 ) [ آل عمران ] وإلى ضمير المتكلمين « نا » . قال تعالى : . . وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) [ الكهف ] . وتضاف إلى ضمير الغائب كقوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ . . ( 2 ) [ الكهف ] [ القاموس القويم ] . ( 3 ) الإحكام والحكمة في الشئ قدرة تحمل أسرار فيها حكمة الخلق والإبداع ، والتفصيل الوزن وإقامة العدل ، فالإحكام أساس ، والتفصيل بناء ، وهما متلازمان تلازم الحكم مع خبرة الإطلاق .