محمد متولي الشعراوي
6294
تفسير الشعراوى
وأنت حين تعد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت ، قد تأتى فيها بكل الأدوية ، لكن إن أصابك صداع ، فقد تفتش عن أقراص « الأسبرين » فلا تجدها . أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة ، فسوف تجد « الأسبرين » حين تحتاجه . وكذلك حين تكون ظمآن ، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك ، وذلك بسبب لهفة العطش . إذن : فنزول القرآن منجما شاءه الحق - سبحانه - لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ « 1 » لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ « 2 » وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ الإسراء ] وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين :
--> ( 1 ) قرئت هذه الكلمة بقراءتين : فرقناه ، فرّقناه ( بتشديد الراء ) - فعلى القراءة الأولى فمعناه : فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاث وعشرين سنة ، قاله عكرمة عن ابن عباس . - وعلى القراءة الثانية فمعناه : أنزلناه آية آية مبينا مفسرا ، قاله ابن عباس أيضا . ولهذا قال : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ . . ( 106 ) أي : لتبلغه الناس وتتلوه عليهم : عَلى مُكْثٍ أي : مهل . وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أي : شيئا بعد شئ . تفسير ابن كثير ( 3 / 68 ) . ( 2 ) مكث : أقام في مكانه ، وتفيد التأنى وعدم العجلة . وقوله تعالى : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ . . ( 106 ) [ الإسراء ] أي : على مهل وتأن بغير عجلة في أزمنة متطاولة . وقال تعالى : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ . . ( 22 ) [ النمل ] أي : استمر الهدهد في غيبته مدة لكنها غير طويلة . وقال تعالى : وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . . ( 17 ) [ الرعد ] أي : يبقى مدة طويلة فيها فيزيدها خصبا . وقال تعالى : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً . . ( 10 ) [ طه ] أي : أقيموا في مكانكم منتظرين . [ القاموس القويم ] .