محمد متولي الشعراوي
6279
تفسير الشعراوى
بأعراض المرض تظهر عليه بعد كمون « 1 » الفيروس في جسده لأسبوعين ، وهكذا نجد أن العدو كلما لطف عنف . والغمّ من أشد وأقسى أنواع البلاء ، وكلنا نعرف قصة الإمام على - كرّم اللّه وجهه - وهو المشهور بالفتيا « 2 » ، وكان الناس يستفتونه فيما يعجزون عن العثور على حل له ، واجتمع بعض من الناس وقالوا : نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله عنها لنختبره ، فلما اجتمعوا قالوا لعلىّ كرم اللّه وجهه : نريد أن نستعرض كون اللّه تعالى ، فقد جلسنا معا لنعرف أقوى ما خلق اللّه ، واختلفنا فقال كل واحد اسم القوة على حسب ما يراها . لم يتروّ علي بن أبي طالب ، ولم يقل كلاما مسرودا « 3 » بحيث إن وقف ، لا يطالبه أحد بزيادة ، بل حدّد من الجملة الأولى عدد القوى حسب ترتيبها وقوتها ، حتى تطابق العدد على المعدود ، وهذا دليل على أنه مستحضر للقضية استحضار الواثق . وفرد أصابع يديه وقال : أشدّ جنود اللّه عشرة : الجبال الرواسي ، والحديد يقطع الجبال ، والنار تذيب الحديد ، والماء يطفئ النار ، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض
--> ( 1 ) الكمون : الاختفاء والاستتار . ومنه : الكمين في الحرب . وحزن مكتمن في القلب : مختف . [ اللسان : مادة كمن ] . ( 2 ) الفتيا : تبيين المشكل من الأحكام ، أصله من الفتى ، وهو الشاب الحدث ( الحديث السنّ ) الذي شبّ وقوى ، فكأنه يقوّى ما أشكل ببيانه فيشب ويصير فتيّا قويا . وأفتى المفتى إذا أحدث حكما . وأفتاه في الأمر : أبانه له . وأفتى الرجل في المسألة . واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء . قال تعالى : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً . . ( 11 ) [ الصافات ] وقال تعالى : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ . . ( 176 ) [ النساء ] أي : يسألونك . وقال تعالى : . . قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) [ يوسف ] ، وقال تعالى عن بلقيس ملكة سبأ : قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي . . ( 32 ) [ النمل ] . [ لسان العرب : مادة ( ف ت ى ) ] - بتصرف . ( 3 ) الكلام المسرود : الكلام المتتابع ، بعضه إثر بعض ، بحيث لا يدرك السامع أوله من آخره ، فلا يستطيع أن يستدرك شيئا على المتكلم ، أو يحفظ منه شيئا .