محمد متولي الشعراوي
6275
تفسير الشعراوى
ومثال ذلك : قصة زيد بن حارثة « 1 » ، وكان مولى أو عبدا لخديجة بنت خويلد « 2 » رضى اللّه عنها ، ووهبته لسيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم علم أهله الذين كانوا يبحثون عنه أنه في مكة ، وكان قد خطف صغيرا من بلده وبيع في مكة ، كعادة العرب في الجاهلية مع الرقيق « 3 » ، فلما علموا بذلك ذهبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليستردوا ابنهم ، فقال لهم رسول اللّه : « واللّه إني لأخيّره ، فإن اختاركم فخذوه ، وإن اختارني فهو لي » . فاختار زيد أن يبقى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولم يكن رسول اللّه بعد ذلك ليفرّط فيه ؛ فأعطاه شرف البنوّة ، فأسماه زيد بن محمد « 4 » .
--> ( 1 ) زيد بن حارثة بن شراحيل ، صحابي ، من أقدمهم إسلاما ، كان صلّى اللّه عليه وسلّم لا يبعثه في سرية إلا أمّره عليها ، وجعل له الإمارة في مؤتة ، فاستشهد فيها عام 8 ه ( الأعلام 3 / 57 ) . ( 2 ) هي : زوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تزوجها قبل البعثة ب 15 عاما ، وأول من صدّقت ببعثته صلّى اللّه عليه وسلّم ، كانت موسرة ، تاجر رسول اللّه بمالها ، وكانت خير معين له في رسالته . توفيت سنة عشر من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشّعب . راجع الإصابة في تمييز الصحابة ( 8 / 60 - 62 ) . ( 3 ) الرقيق : العبيد ، وقد سمّى العبيد رقيقا لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون . [ راجع اللسان مادة رقق ] وقال الجرجاني في التعريفات ( ص 99 ) : « الرق في اللغة : الضعف . ومنه رقة القلب ، وفي عرف الفقهاء عبارة عن عجز حكمي شرع في الأصل جزاء عن الكفر . أما إنه عجز فلأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة والقضاء وغيرهما ، وأما إنه حكمي فلأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال من الحرّ حسّا » . ( 4 ) وذلك أن حارثة بن شراحيل جاء هو وأخوه كعب عم زيد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، وذلك قبل الإسلام ، فقالا له : يا بن عبد المطلب ، يا بن سيد قومه ، أنتم جيران اللّه ، وتفكون العاني ( الأسير ) ، وتطعمون الجائع ، وقد جئتك في ابننا عبدك ، فتحسن إلينا في فدائه ، فقال : أو غير ذلك ؟ فقالا : وما هو ؟ فقال : أدعوه وأخيّره ، فإن اختاركما فذاك ، وإن اختارني فو اللّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا ، فقالا له : قد زدت على النصف ، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما جاء قال : من هذان ؟ فقال : هذا أبى حارثة بن شراحيل ، وهذا عمى كعب بن شراحيل ، فقال : قد خيرتك إن شئت ذهبت معهما ، وإن شئت أقمت معي ، فقال : بل أقيم معك . فقال له أبوه : يا زيد ، أتختار العبودية على أبيك وأمك وبلدك وقومك ؟ فقال : إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ، وما أنا بالذي أفارقه أبدا ، فعند ذلك أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده ، وقام به إلى الملأ من قريش فقال : اشهدوا أن هذا ابني وارثا وموروثا . فطابت نفس أبيه عند ذلك ، وكان يدعى زيد بن محمد ، حتى أنزل اللّه تعالى : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ . . ( 5 ) [ الأحزاب ] .