محمد متولي الشعراوي
6272
تفسير الشعراوى
وهذه قمة الصدق في البلاغ عن اللّه ، وكان اجتهاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محصورا في الأمور التي لم يصدر فيها حكم من اللّه ، وكان في ذلك أسوة حسنة لنا لنتجرأ ونجتهد . وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معاذ بن جبل إلى اليمن فقال : كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال : أقضى بما في كتاب اللّه . قال : فإن لم يكن في كتاب اللّه ؟ قال : فبسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : فإن لم يكن في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : أجتهد رأيي لا آلو « 1 » . قال : وضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدري ثم قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما يرضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » . والحق سبحانه وتعالى خير الحاكمين ؛ لأنه الشاهد الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور « 3 » ، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية « 4 » ، ولا هوى له ، وهو الذي يصدر الحكم بمطلق عدله وبفضله ، وهو القادر على إنفاذ ما يحكم به ، ولا توجد قوة تجير عليه ، ولا يوجد حاكم بقادر
--> ( 1 ) لا آلو : لا أقصّر في اجتهادي وبحثي المسألة . ومنه قولهم : فلان لا يألو خيرا . أي : لا يدعه ولا يزال يفصله . ويقول سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا . . ( 118 ) [ آل عمران ] أي : لا يقصرون في فسادكم . ( 2 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 5 / 230 ، 236 ، 242 ) وأبو داود في سننه ( 3592 ) والترمذي ( 1327 ) وقال : ليس إسناده عندي بمتصل . لا نعرفه إلا من هذا الوجه . ( 3 ) يقول رب العزة سبحانه : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) [ غافر ] . فالله عز وجل يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ، ويعلم ما تنطوى عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم ، وفيهم المرأة الحسناء ، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء فإذا غفلوا لحظ إليها ، فإذا فطنوا غضّ بصره عنها ، فإذا غفلوا لحظ ، فإذا فطنوا غضّ ، وقد اطلع اللّه من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 4 / 75 ) . ( 4 ) يقول عز وجل : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ( 9 ) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ( 10 ) [ الرعد ] .