محمد متولي الشعراوي

6258

تفسير الشعراوى

الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من عدم وأمدّ من عدم « 1 » ، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ ، وخلق الكون كله ، وجعلنا خلفاء فيه . هو - إذن - مأمون علينا ، فإذا جاء الحق منه سبحانه وتعالى ، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية ؟ لماذا أخذنا تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس ؟ كان يجب - إذن - أن نأخذ من المربّى - سبحانه وتعالى - المنهج الذي ندير به حركة الحياة ؛ فلا نفسدها . وحين يقول الحق سبحانه : جاءَكُمُ الْحَقُّ « 2 » مِنْ رَبِّكُمْ . . ( 108 ) [ يونس ] فمعنى ذلك أنه لا عذر لأحد أن يقول : « لم يبلغني أحد بمراد اللّه » ، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل ، لا أن تتصور . وجاء التصوّر للبلاغ عن اللّه تعالى ، حين أرسل الحق سبحانه رسولا يقول : أنا رسول من اللّه ، وهو القوة التي خلقت الكون ، وكان علينا أن نقول للرسول بعد أن تصدق معجزته : أهلا ، فأنت من كنا نبحث عنه ، فقل لنا : ماذا تريد القوة العليا أن تبلغنا به ؟ ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية :

--> ( 1 ) العدم والعدم والعدم : فقدان الشئ وذهابه . ومثله في ضبط حروف الكلمة : الرّشد والرّشد - الحزن والحزن . ومثله قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . ( 256 ) [ البقرة ] . وقوله تعالى : . . رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) [ الكهف ] . ( 2 ) الحق : الأمر الثابت ضد الباطل ، والحق من أسماء اللّه الحسنى ، والحق القرآن ، والحق العدل والصدق والحكمة والبعث وكمال الأمر ، والحق الواقع الثابت الذي لا خلاف فيه ، قال تعالى : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) [ يونس ] ، والحق ما وجب عليك لغيرك [ القاموس القويم بتصرف ص 164 ، 165 ] .