محمد متولي الشعراوي

5838

تفسير الشعراوى

ولما جاء وقت ظهور محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، أسرعت الأوس والخزرج إلى الإيمان به ، وقالوا : إنه النبي الذي تهددنا به يهود ، فلنسبق إليه حتى لا يسبقونا . هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى الإيمان . إذن : فالله ينصر دينه بالفاجر « 1 » ، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين . وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا « 2 » وظلوا يحللون سبب سقوط المطر بأسباب علمية محدودة بالمادة ، لا بالإيمان الذي فوق المادة . ولذلك يقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ « 3 » فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) [ يونس ]

--> ( 1 ) وقد ورد بهذا حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعن أبي هريرة قال : شهدنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حنينا . فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام « هذا من أهل النار » فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة . فقيل : يا رسول اللّه ، الرجل الذي قلت له آنفا « إنه من أهل النار » فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا . وقد مات فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إلى النار » فكاد بعض المسلمين أن يرتاب . فبينما هم على ذلك إذ قيل : إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال : « اللّه أكبر أشهد أنى عبد اللّه ورسوله » ثم أمر بلالا فنادى في الناس « إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وإن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » . حديث صحيح ، متفق عليه ، أخرجه البخاري في صحيحه ( 3062 ) ومسلم ( 111 ) . ( 2 ) أرجفوا : اضطربوا اضطرابا شديدا . ( اللسان مادة : رجف ) . ( 3 ) المكر : احتيال في خفية . قال تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) [ النمل ] . قال أهل العلم بالتأويل : المكر من اللّه تعالى جزاء سمّى باسم مكر المجازى كما قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . ( 40 ) [ الشورى ] فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة ، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام ، وكذلك قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ . . ( 194 ) [ البقرة ] فالأول ظلم والثاني ليس بظلم ، ولكنه سمّى باسم الذنب ليعلم أنه عقاب عليه وجزاء به . قال ابن الأثير : مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . [ اللسان : مادة ( مكر ) ] .