محمد متولي الشعراوي

5839

تفسير الشعراوى

والمكر : هو الكلام الملتوى الذي لا يريد أن يعترف برحمة اللّه ، والادعاء بأن نوء كذا هو السبب في سقوط المطر ، وبرج كذا هو السبب في سقوط المطر . وقوله الحق : مَكْرٌ فِي آياتِنا والمكر هو الكيد الخفي ، والمقصود به هنا محاولة الالتفات ؛ لتجريد العجائب من صنع اللّه لها ، وحتى العلم وقوانينه فهو هبة من اللّه ، والحق هو القادر على أن يوقف الأسباب وأن يفعل ما يريد وأن يخرق القوانين ، فهو سبحانه رب القوانين ، فلا تنسبوا أي خبر إلا له سبحانه ؛ حتى لا نضل ضلال الفلاسفة الذين قالوا بأن اللّه موجود ، وهو الذي خلق الكون وخلق النواميس ؛ لتحكم الكون بقوانين . ونقول : لو خلق الحق سبحانه القوانين والنواميس وتركها تتحكم لما شذّ شئ عن تلك القوانين ، فالمعجزات مع الرسل - على سبيل المثال - كانت خروجا عن القوانين . وأبقى اللّه في يده التحكّم في القوانين ، صحيح أنه سبحانه قد أطلقها ، ولكنه ظل قيّوما عليها ، فيعطل القانون متى شاء ويبرزه متى شاء ويوجّه كيفما شاء . والمكر كما نعلم مأخوذ من التفاف أغصان الشجرة كالضفيرة ، فلا تتعرف على منبت ورقة الشجر ومن أي غصن خرجت ، فقد اختلطت منابت الأوراق ؛ حتى صارت خفية عليك ، وأخذ من ذلك الكيد الخفىّ ، وأنت قد تكيد لمساويك ، لكنك لن تقدر على أن تكيد لمن هو أعلى منك ، فإن كنتم تمكرون فإن اللّه أسرع مكرا ، والحق سبحانه يقول : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ، وهذه اسمها « مشاكلة التعبير » « 1 » .

--> ( 1 ) المشاكلة : مصطلح بلاغى جاء في القرآن كثيرا ، وهو يعنى : ذكر الشئ بلفظ غيره ، لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا . وذلك مثل قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ . . ( 54 ) [ آل عمران ] فإن إطلاق المكر في جانب البارىء تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه . ( الإتقان في علوم القرآن : 3 / 281 ) .