محمد متولي الشعراوي
5837
تفسير الشعراوى
إذن : فلمدد السماء مدخل ، ومن رأى من المقاتلين آية مخالفة لنواميس الكون ، فليعلم علم اليقين أن يد اللّه كانت فوق أيدي المؤمنين المقاتلين . ومن يدعى أن أي نصر هو نتيجة للحضارة ، يجد الرد عليه من المقاتلين أنفسهم بأن الحضارة بلا إيمان هي مجرد تقدم مادة هش « 1 » لا يصنع نصرا « 2 » ، والنصر لا يكون بالمادة وحدها ، وقد أمرنا اللّه بحسن الاستعداد المادي ، ولكن النصر يكون بالإيمان فوق المادة . ولذلك نجد من خاضوا حربنا المنتصرة في العاشر من رمضان 1393 ه يعلمون أن مدد اللّه كان معهم بعد أن أحسنوا الاستعداد ، ولا أحد من المقاتلين يصدق أن الاستعداد المادي وحده يمكن أن يكفى للنصر ، إنه ضرورة ، ولكن بالإيمان وحسن استخدام السلاح يكون النصر ؛ ولذلك لا يصدق المقاتلون من ينسب النصر للمادة وحدها ، وينسحب عدم التصديق على كل ما يقوله من ينكر دور الإيمان في الانتصار . وهكذا نجد أن من يجرد النصر من قيمة الإيمان إنما يخدم الإيمان ؛ لأن إنكار الإيمان يقلل من قيمة الرأي المادي . وهكذا ينصر اللّه دينه حتى يثبته في قلوب جنده ، ويقلل من قيمة ومكانة من ينكرون قيمة الإيمان . ومثال هذا في تاريخ الإسلام أن اليهود الذين كانوا يستفتحون على أهل المدينة من الأوس والخزرج بأن رسولا سوف يظهر ، وأنهم - أي : اليهود - سيتبعونه « 3 » ، وسوف يقتلون العرب من الأوس والخزرج قتل عاد وإرم .
--> ( 1 ) الهشّ والهشيش من كل شئ : ما فيه رخاوة ولين ، والمراد : الضعف . ( 2 ) يقول تعالى : . . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) [ آل عمران ] . ( 3 ) وقد حكى اللّه سبحانه هذا لنا في قرآنه ، فقال عن اليهود : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) [ البقرة ] . وعن أشياخ من الأنصار قالوا : كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون : إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث اللّه رسوله من قريش واتبعناه كفروا به . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 1 / 124 ) نقلا عن ابن إسحاق .