محمد متولي الشعراوي
6210
تفسير الشعراوى
إذن : فمن ذكر هنا من الرسل كان له علاقة بالماء ، أما بقية الموكب الرسالي فلم تكن لهم علاقة بالماء . ونحن نعرف أن الماء به الحياة ، وبه الإهلاك ؛ لأن واهب الحياة يهب الحياة بالشئ ، ويهلك بالشئ نفسه . وكأن الحق سبحانه يبيّن لنا الحكمة : أنا أهلكت بالغرق هناك ، ونجيّت من الغرق هنا . إذن : فطلاقة القدرة الإلهية هي المستولية على هذه السورة ، كما تظهر طلاقة القدرة في مجالات أخرى ، وبألوان أخرى « 1 » . وسمّيت هذه السورة باسم يونس ؛ لأن الحق سبحانه أرسله إلى أكثر من مائة ألف « 2 » ، وهم الأمة الوحيدة في هذا المجال التي استثناها الحق سبحانه من الإهلاك ، فقد أغرق قوم نوح ، وأغرق قوم فرعون ؛ فكلاهما قد كذّب الرسل ، ولكن قوم يونس أول ما رأوا البأس « 3 » آمنوا فأنجاهم اللّه سبحانه . وسمّيت السورة باسم من نجا ؛ لأنه عاد إلى الحق سبحانه قبل أن يعاين العذاب ، ولكنهم رأوا فقط بشائر العذاب ، فنجّوا أنفسهم بالإيمان . وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
--> ( 1 ) من طلاقة القدرة توظيف الشئ في ضدّه مثل النار ، فوظيفتها الإحراق ولكنها كانت على سيدنا إبراهيم بردا وسلاما . والماء به الحياة وفيه الغرق ، وبه النجاة ؛ فقد نجى اللّه سبحانه موسى عليه السّلام وأغرق به فرعون . ( 2 ) يقول سبحانه : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) [ الصافات ] وهم من قرية « نينوى » جهة الموصل بالعراق الحالية . ( 3 ) البأس : العذاب . يقول تعالى : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا . . ( 148 ) [ الأنعام ] ، ويقول : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) [ الأعراف ] . والبأس : شدة الحرب ، يقول تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . . ( 177 ) [ البقرة ] . والبأس : القوة . يقول تعالى عن قوم بلقيس ملكة سبأ حين شاورتهم في أمر سليمان : قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ . . ( 33 ) [ النمل ] .