محمد متولي الشعراوي

6135

تفسير الشعراوى

أولا أن يلقيها ، فصارت أمامه حية تسعى ، ولو كانت من جنس السحر لما أوجس « 1 » منها خيفة ولرآها مجرد عصا . إذن : فالفرق بين معجزة موسى وسحرة فرعون ، أن سحرة فرعون سحروا أعين الناس وخيّل إلى الناس من سحرهم أن عصيّهم وحبالهم تسعى ، لكن معجزة موسى - عليه السّلام - في إلقاء العصا ، عرفوا هم بالتجربة أن تلك العصا قد تغيرت حقيقتها . والعصا - كما نعلم - أصلها فرع من شجرة ، وكان باستطاعة الحق سبحانه وتعالى أن يجعلها تتحول إلى شجرة مثمرة ، لكنها كانت ستظل نباتا . وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى المرتبة الأعلى من النبات ؛ وهي المرحلة الحيوانية ، فصارت حية تلقف كل ما ألقاه السحرة . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا « 2 » عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا « 3 » الْكِبْرِياءُ « 4 » فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ

--> ( 1 ) أوجس : أي : وقع في نفسه وقلبه الخوف والفزع . [ انظر اللسان مادة وجس ] وقد وقع هذا الخوف لاثنين من الأنبياء ذكرهما القرآن : الأول إبراهيم عليه السّلام عندما جاءته الملائكة في صورة بشر ليبشروه بإسحاق ويعقوب ، وقد ذكر هذا في القرآن مرتين : الأولى في سورة هود : وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ( 70 ) [ هود ] . أما الثانية ففي سورة الذاريات آية 28 . أما النبي الثاني فهو موسى عليه السّلام : قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) [ طه ] . ( 2 ) لتلفتنا : لتثنينا وتبعدنا عن آلهة الآباء والأجداد . ( 3 ) لكما : أي : لموسى وهارون عليهما السّلام . ( 4 ) الكبرياء : العظمة والرياسة . [ ابن كثير 2 / 426 ] .