محمد متولي الشعراوي
6127
تفسير الشعراوى
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ « 1 » ( 8 ) [ الرحمن ] أي : إن كنتم تريدون أن تعتدل أموركم ، وتنضبط انضباط الكائنات الأخرى فلتكن إرادة الاختيار المخلوقة لكم خاضعة لمنهج اللّه تعالى ، وتسير في إطار هذا المنهج الرباني . وحين نتأمل قول الحق سبحانه : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا . . ( 76 ) [ يونس ] نجد في هذا القول توجيها إلى أن الحق لم يأت من ذوات الرسل ؛ فهذه الذوات لا دخل لها في الموضوع ، وإياك أن تهاجم رسالة حق جاءتك من إنسان لا تحبه ، بل ناقش الحق في ذاته ، ولا تدخل في متاهة البحث عمّن جاء بهذا الحق ، وانظر إلى من كفروا بمحمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهم من قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 2 » . . ( 31 ) [ الزخرف ] وهم بذلك قد أدخلوا النازل عليه القرآن في الحكم ، مع أن العقل كان يقتضى أن ينظروا إلى القرآن « 3 » في ذاته ، وأن يأخذوا الحكمة من أي وعاء خرجت . وعليك أنت أن تستفيد من هذا الأمر ، وخذ الحكمة من أي قائل لها ،
--> ( 1 ) لأن اعتدال الموازين ثبات للحق ، وإذا ثبت الحق وأخذ طريقه استقامت موازين الحياة ، وعند استقامتها لا نجد محروما ولا مظلوما . ( 2 ) القريتان هما : مكة والطائف . واختلفت الأقوال في تحديد هذين الرجلين ، فقيل : إنهما الوليد بن المغيرة ، وعروة بن مسعود الثقفي . وقيل : إنهما عمير بن عمرو بن مسعود ، وعتبة بن ربيعة ، وقيل : ابن عبد ياليل . والمقصود أنه رجل كبير من أي البلدتين كان . انظر ابن كثير ( 4 / 127 ) . ( 3 ) وقد نقلت لنا كتب السيرة أن الوليد بن المغيرة قال في وصف القرآن : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء يقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته » سيرة ابن هشام ( 1 / 270 ) فرغم قوله في القرآن ومدحه فيه ، إلا أنه مسايرة لقومه ، وحفاظا على مكانته بينهم جحد القرآن واتهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالسحر .