محمد متولي الشعراوي
6128
تفسير الشعراوى
ولا تنظر إلى من جاءت الحكمة منه ، فإن كنت تكرهه فأنت ترفض أن تأخذ الحكمة منه ، وإن كنت تحبه أخذتها . لا ، إن عليك أن تأخذ الحكمة ما دامت قد جاءت بالحق ؛ لأنك إن لم تأخذها أضعت نفسك « 1 » . والحق هو الشئ الثابت ، وإن ظهر في بعض الأحيان أن هناك من طمس الحق ، وأن الباطل تغلّب عليه ، فهذا يعنى ظهور المفاسد ؛ فيصرخ الناس طالبين الحق . وانتشار المفاسد هو الذي يجعل الناس تستدعى الحق ، وتتحمس له ؛ لأن الباطل حين يعضّ الناس ، تجدهم يتجهون إلى الحق ليتمسكوا به . والحق سبحانه هو القائل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً « 2 » رابِياً « 3 » وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً « 4 » وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 5 » ( 17 ) [ الرعد ]
--> ( 1 ) عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكلمة الحكمة ضالة المؤمن ، فحيث وجدها فهو أحقّ بها » . أخرجه الترمذي في سننه ( 2687 ) وابن ماجة في سننه ( 4169 ) . قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وإبراهيم بن الفضل ، يضعّف في الحديث من قبل حفظه . ( 2 ) الزبد : هو ما يعلو ماء البحر إذا هاج موجه . وبحر مزبد ، أي : مائج يقذف بالزّبد . وزبد الماء : طفاوته وقذاه . والجمع : أزباد . [ لسان العرب : مادة ( ز ب د ) ] . ( 3 ) رابيا : مرتفعا ؛ لأنه يكون أعلى سطح الماء . [ اللسان : مادة ( ر ب ى ) ] . ( 4 ) جفاء السيل : هو ما يقذفه من الزبد والوسخ ونحوهما . [ اللسان : مادة ( ج ف ى ) ] . ( 5 ) المثل : الصفة العجيبة يشبّه بها غيرها . فالأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص ، لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس . وأمثال القرآن قسمان : - قسم ظاهر مصرح به ، مثل قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) [ البقرة ] - قسم كامن ، مثل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) [ الفرقان ] وهو يؤدى معنى مثل « خير الأمور أوساطها » . [ انظر : الإتقان في علوم القرآن 4 / 41 ] .