محمد متولي الشعراوي
6119
تفسير الشعراوى
وهكذا انتقل بعض من ذرية آدم - عليه السّلام - إلى مواقع الغيث « 1 » ، فالهجرة تكون إلى مواقع المياه ؛ لأنها أصل الحياة . ويلاحظ مؤرّخو الحضارات أن بعض الحضارات نشأت على جوانب الأنهار والوديان ، أما البداوة فكانت تتفرق في الصحارى ، مثلهم مثل العرب ، وكانوا في الأصل يسكنون عند سد مأرب ، وبعد أن تهدم السد وأغرق الأرض ، خاف الناس من الفيضان ؛ لأن العدوّين اللذين لم يقدر عليهما البشر هما النار والماء . وحين رأى الناس اندفاع الماء ذهبوا إلى الصحارى ، وحفروا الآبار التي أخذوا منها الماء على قدر حاجتهم ؛ لأنهم عرفوا أنهم ليسوا في قوة المواجهة مع الماء . وهكذا صارت الانعزالات بين القبائل العربية ، ومثلها كانت في بقية الأرض ؛ ولذلك اختلفت الداءات باختلاف الأمم ؛ ولذلك بعث الحق سبحانه إلى كل أمة نذيرا ، وهو سبحانه القائل : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ « 2 » . . ( 24 ) [ فاطر ] وقصّ علينا اللّه سبحانه قصص بعضهم ، ولم يقصص قصص البعض الآخر . يقول الحق سبحانه :
--> ( 1 ) الغيث : المطر . ( 2 ) إن : نافية بمعنى ( ما ) . أي : ما من أمة إلا أرسل اللّه إليهم من ينذرهم . خلا : مضى وسبق . قال تعالى : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ . . ( 30 ) [ الرعد ] . نذير : صيغة مبالغة من الإنذار ، أي : كثير الإنذار لهم بعذاب اللّه إذا لم يؤمنوا به . قال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . . ( 19 ) [ المائدة ] .