محمد متولي الشعراوي

5824

تفسير الشعراوى

الشعور ، بينما يضطر الآخر إلى تكرار قراءة المعلومة إلى أن يخلو ذهنه من غيرها ؛ فتستقر المعلومة في بؤرة الشعور ، وحين تأتى معلومة أخرى ، فالمعلومة الأولى تنتقل إلى حاشية الشعور إلى حين أن يستدعيها مرة أخرى . وإذا أراد طالب - على سبيل المثال - أن يستوعب ما يقرأ من معلومات جديدة ، فعليه أن ينفض عن ذهنه كل المشاغل الأخرى « 1 » ؛ ليركّز فيما يدرس ؛ لأنه إن جلس إلى المذاكرة وباله مشغول بما سوف يأكل في الغداء ، أو بما حدث بينه وبين أصدقائه ، أو بما سوف يرتدى من ملابس عند الخروج من البيت ، أو بغير ذلك من المشاغل ، هنا سوف يضطر الطالب أن يعيد قراءة الدرس أكثر من مرة ؛ حتى يصادف الدرس جزئية خالية من بؤرة الشعور ؛ فتستقر فيها « 2 » . وقد نجد طالبا في صباح يوم الامتحان وهو يسمع من زملائه أن الامتحان قد يأتي في الجزء الفلاني من المقرر ؛ فيفتح الكتاب المقرر على هذا الجزء ويقرأه مرة واحدة ؛ فيستقر في بؤرة الشعور ، ويدخل الامتحان ، ليجد السؤال في الجزء الذي قرأه مرة واحدة قبل دخوله إلى اللجنة ؛ فيجيب عن السؤال بدقة .

--> ( 1 ) ولذلك أرشد العلماء طلاب العلم أن يقللوا علائق الاشتغال بالدنيا ، فإن العلائق - كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي - في إحيائه ( كتاب العلم ) « شاغلة وصارفة و ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ . . ( 4 ) [ الأحزاب ] ، ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق ؛ ولذلك قيل : « العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك » والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشّفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه ، فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزارع » . قال الزبيدي في اتحاف السادة المتقين ( 1 / 504 ) : « لذا كرهوا للمتعلم الاشتغال في درسين في علمين مستقلين لئلا تتوزع الفكرة ، والانتقال من فن إلى فن آخر قبل استكمال الأول » . ( 2 ) وأمر تخلية الذهن والفكر من الشواغل والخواطر شئ حثّ عليه حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنسبة للصلاة ، فعن عائشة رضى اللّه عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا صلاة بحضرة طعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان » أخرجه مسلم في صحيحه ( 560 ) والأخبثان هما البول والبراز . فكذلك درس العلم يجب على المتعلم أن يعطيه كل ذهنه وتركيزه فلا يشغله عنه شئ .