محمد متولي الشعراوي

6097

تفسير الشعراوى

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ « 1 » لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ . . ( 9 ) [ يوسف ] أي : أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه إلى أحد سواهم ، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة ، فقالوا لبعضهم البعض : وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ « 2 » ( 9 ) [ يوسف ] وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفّذوا القتل ستصبح مقبولة . وهذا الشر البادى في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر ؛ لأنهم أبناء نبوّة ، وما يزالون هم الأسباط « 3 » ، لا يصعد فيهم الشر ، بل ينزل ، فقال واحد منهم : لا تقتلوه بل اطْرَحُوهُ أَرْضاً . . ( 9 ) [ يوسف ] أي : أنه خفّف المسألة من القتل إلى الطرح أرضا ، وهذه أول درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول ، وأيضا تنازلوا عن الشر الثاني ، وهو طرحه أرضا ؛ حتى لا يأكله حيوان مفترس ، وجاء اقتراح : وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ « 4 » إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) [ يوسف ] ثم أجمعوا أمرهم أخيرا حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود النجاة .

--> ( 1 ) يخل : فعل مجزوم لأنه جواب الأمر ، معناه : يخلص ويصفو . [ تفسير القرطبي : ( 4 / 3452 ) ] . ( 2 ) قَوْماً صالِحِينَ : أي : تائبين . وقيل : صالِحِينَ أي : يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل . [ تفسير القرطبي ( 4 / 3452 ) ] . ( 3 ) الأسباط في بني إسرائيل بمنزلة القبائل في بنى إسماعيل ، فالأسباط هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلا . ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط . انظر تفسير ابن كثير ( 1 / 187 ) . ( 4 ) غيابة ، أي : مكان مظلم من الجب . والجب : البئر . أي : ألقوه في موضع مظلم من الجب ؛ حتى لا يلحقه نظر الناظرين . قيل : هو بئر بيت المقدس ، وقيل : هو بالأردن ، قاله وهب بن منبه . وسميت البئر جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا . والسيارة : الجمع الذين يسيرون في الطريق للسفر ، وإنما قال القائل هذا حتى لا يحتاج إلى حمله إلى موضع بعيد ؛ ويحصل المقصود ، فإن من يلتقطه من السيارة يحمله إلى موضع بعيد ، وكان هذا وجها في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى الحركة بأنفسهم ؛ فربما لا يأذن لهم أبوهم ، وربما يطلع على قصدهم . [ تفسير القرطبي : 4 / 3453 ، 3454 ) ] .