محمد متولي الشعراوي
6074
تفسير الشعراوى
تختلف عن كل خيال العبد ، وهذه الصورة تختلف من عبد إلى آخر ، ولو كانت الصورة التي يتجلى بها اللّه سبحانه مقدورا عليها لكان معنى ذلك أن هناك ذهنا بشريا قد قدر على الإحاطة بها . وما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك ؛ لأن ما خطر بالبال مقدور عليه لأنه خاطر ، واللّه سبحانه لا ينقلب أبدا إلى مقدور عليه . وأنت حين تأتى بمسألة في الحساب أو الهندسة - مثلا - وتعطيها لتلميذ ويقوم بحلها ، فمعنى ذلك أن عقله قد قدر عليها ، أما إن جئت لتلميذ في المرحلة الإعدادية - مثلا - بمسألة هندسية مقررة على طلبة كلية الهندسة ؛ فعقله لن يقدر عليها . إذن : لو أن الإنسان قد أدرك شيئا عن اللّه غير ما قاله اللّه لانقلب الإله إلى مقدور عليه ، والحق سبحانه منزّه عن ذلك ؛ لأنه القادر الأعلى الذي لا ينقلب أبدا إلى مقدور . لذلك يعلّمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيها لله تعالى كلمة ( سبحانه ) وهو التنزيه الواجب عن كل شئ يخطر ببال الإنسان عن اللّه تعالى ، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في اللّه تعالى ، قبل أن يوجد شئ ، وبعد أن خلق الخلق ، فعلى كل المخلوقات تنزيهه ، وبدأ الخلق في التسبيح . والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضى ؛ لذلك تجد استدلالات القرآن في السور التنزيهية « 1 » تؤكد ذلك ، فيقول الحق سبحانه :
--> ( 1 ) فتجد التسبيح في الماضي : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) [ الحديد ] وفي المضارع : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) [ التغابن ] وفي الأمر : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) [ الأعلى ] وفي المصدر سبحانه ، وبهذا نلاحظ أن الماضي يسبحه ، والمستقبل يسبحه والحال يذكره ، والكون مع الزمن في تسبيح مستمر : . . وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 ) [ الإسراء ] .