محمد متولي الشعراوي
6075
تفسير الشعراوى
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ . . ( 1 ) [ الإسراء ] وإياك أن تظن أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد سرى بقرار من نفسه ، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه ، فلا تظن أن المسافة يمكن أن تمنع مشيئة الحق المطلقة ، ولا المكان ، ولا الزمن ؛ لأن الفعل منسوب لله تعالى ، ولا يمكن أن نقيس فعلا منسوبا لله تعالى بقياس الزمان أو المكان ، أو حسب قانون الحركة النسبية ؛ لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة ، وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان . وأنت إذا سرت من هنا إلى الإسكندرية - مثلا - على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع ، وإن امتطيت دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياما ، وإن ركبت سيارة فسوف تقطع المسافة في ساعتين ، وإن ركبت صاروخا ، فستصل خلال دقائق . أي : أنك كلما زادت قوة أداة الوصول قلّ زمن الوصول ، وهذا موجز نظرية الحركة ، وإذا كان الذي أسرى هو اللّه سبحانه ، وهو قوة القوى ؛ لذلك لا يمكن أن يقاس بالنسبة لمشيئة قوة أخرى ، أو أن يقاس الأمر ببعد أو قرب المكان أو كيفية الزمان الذي تعرفه . وإياك أن تفهم أن إسراء اللّه تعالى مثل إسرائك ؛ لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل ، وما دام الفاعل هو اللّه سبحانه فلا أحد بقادر أن يحدّ أفعاله بزمن . وقد استهل الحق سبحانه سورة الإسراء بالسبحانية وآياتها الأولى تتكلم في أدق شئ تكلم فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذاته بأنه قد أسرى به ، وبذلك