محمد متولي الشعراوي
6058
تفسير الشعراوى
فكما خلق الحق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة ، ووقت للحركة ، كذلك شرع الحق سبحانه منهج الدين ؛ لتستقيم حركة الحياة ؛ لأن الإنسان - الخليفة في الأرض - لا بد أن يتحرك ، ولا بد أن تكون حركته على مقتضى « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » ، وما لم يرد فيه « افعل » و « لا تفعل » فهو مباح ؛ إن شاء فعله ، وإن شاء لم يفعله « 1 » . وكل فعل ، وكل نهى يتطلب حركة ، وإياك أن تتصور أن النهى لا يتطلب حركة ؛ لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف ، وقد تتوهم أن التوقف لا يحتاج إلى حركة ؛ لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل ، ولكنك تنسى أن هناك حركة داخلية ، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا يواكب منهج اللّه ، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها « 2 » ؛ لأن اللّه سبحانه قد أمرك بذلك . وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب ؛ لذلك جعل اللّه تعالى لك حقّا في الراحة . وكذلك عمر الإنسان ، لم يكلّف اللّه - تعالى - الإنسان إلا بعد البلوغ ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه وحساب ، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتا ، وإنما منع حسابه على ما « يفعل » أو « لا يفعل » ، وترك مسؤولية التدريب على التكليف للأب مثلا ، فالأب يقول لابنه : « لا تكذب » فإن كذب ؛ فالأب يعاقبه ، وهكذا يكون الأمر من الوالد ، والنهى للولد والأمر والنهى يتطلب ثوابا أو عقابا .
--> ( 1 ) لأن كلمة ( افعل ) يندرج تحتها الأمر من اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الواجبات والفرائض والسنن والمندوبات والمستحبات . وكلمة ( لا تفعل ) يندرج تحتها النهى من اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك في الحرام والمكروه . أما غير ذلك فهو مباح . ( 2 ) تكبح جماحها : تمنعها عن المعاصي . مأخوذة من كبح الدابة أي : جذبها إليه باللجام ، وضرب فاها به ؛ كي تقف ولا تجرى . [ لسان العرب : مادة ( ك ب ح ) ] .