محمد متولي الشعراوي
5815
تفسير الشعراوى
إذن : فمن الحمق « 1 » أن يعبد أحد الأصنام ؛ لأنها لا تضر من خالفها ، ولا تنفع من عبدها ، فليس لها أمر ولا نهى . ومن أوقفوا أنفسهم هذا الموقف نسوا أن في قدرة كل منهم أن ينفع الصنم وأن يضره ، فالواحد منهم يستطيع أن يصنع الصنم ، وأن يصلحه إذا انكسر ، أو يستطيع أن يكسره بأن يلقيه على الأرض . وفي هذه الحالة يكون العابد أقدر من المعبود على الضر وعلى النفع ، وهذا عين التخلف العقلي . إذن : فمثل هذه العبادة لون من الحمق ، ولو عرضت هذه المسألة على العقل ؛ فسوف يرفضها العقل السليم . وعندما تجادلهم ، وتثبت لهم أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع ، تجد من يكابر قائلا : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وهم بهذا القول يعترفون أن اللّه هو الذي ينفع ويضر ، ولكن أما كان يجب أن يتخذوا شفيعا لهم عند اللّه ، وأن يكون الشفيع متمتعا بمكانة ومحبة عند من يشفع عنده « 2 » ؟ ثم ماذا يقولون في أن من تقدم له شفاعة هو الذي ينهى عن اتخاذ الأصنام آلهة وينهى عن عبادتها ؟ وهل هناك شفاعة دون إذن من المشفوع عنده ؟ من أجل ذلك جاء الأمر من الحق سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
--> ( 1 ) الحمق : وضع الشئ في غير موضعه ، والحمق : ضد العقل أو قلة العقل وضعفه . والحميقاء : الخمر ؛ لأنها تعقب شاربها الحمق . والأحمق مأخوذ من انحماق السوق إذا كسدت ، فكأنه فسد عقله حتى كسد . قال ابن الأعرابي : الحمق أصله الكساد . ويقال : الأحمق الكاسد العقل . والحمق أيضا : الغرور . وانحمق الرجل : ضعف عن الأمر . [ اللسان : مادة ( حمق ) ] . ( 2 ) يقول سبحانه : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ( 109 ) [ طه ] ، إن ادعاء المشركين أن الأصنام تشفع لهم عند اللّه - ادعاء باطل ومع بطلانه اعتراف منهم بأن الشفاعة لا تكون إلا من اللّه سبحانه وشفاعة اللّه لا تكون إلا لحبيب ومحبوب يعمله فرضا وفضلا .