محمد متولي الشعراوي

6016

تفسير الشعراوى

وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) [ يونس ] أي : أن كل أمورك ، وأمور الخلق ، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى ، ومكتوبة في كتاب مبين واضح ، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب ، أو يختلس حركة ضمير ، وكلمة « يعزب » تعنى : يغيب ويختفى . والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القلّة . ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذّرّة ، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جدّا ، ثم أطلقت الذرة على الهباء الشائع في الجو ، ويمكنك أن ترى هذا الهباء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة ، ثم دخلها شعاع من ضوء ، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم ، وترى مكونّات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو ، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط ، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يبرزها . وأنت لا تدرك الشئ ولا تحسه لأمرين : إما لتناهيه في الصغر ، وإما لتناهيه في الكبر ؛ فلا تحيط به ، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المجاهر التي تكبّر الشئ المتناهى في الصغر آلاف ، أو ملايين المرات . وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل ؛ لأنها بلغت من الدقة والصّغر بحيث