محمد متولي الشعراوي

5814

تفسير الشعراوى

وكلمة وَيَعْبُدُونَ تقتضى وجود عابد ؛ ووجود معبود ؛ ووجود معنى للعبادة . والعابد أدنى حالا من المعبود ، ومظهر العبادة والعبودية كله طاعة للأمر والانصراف عن المنهى عنه . هذا هو أصل العبادة ، ووسيلة القرب من اللّه . وحتى تكون العبادة في محلها الصحيح لا بد أن يقر العابد أن المعبود أعلى مرتبة في الحكم على الأشياء ، أما إن كان الأمر بين متساويين فيسمونه التماسا . إذن : فهناك آمر ومأمور ، فإن تساويا ؛ فالمأمور يحتاج إلى إقناع ، وأما إن كان في المسألة حكم سابق بأن الآمر أعلى من المأمور ؛ كالأستاذ بالنسبة للتلميذ ، أو الطبيب بالنسبة للمريض ، ففي هذا الوضع يطيع المأمور الآمر لأنه يفهم الموضوع الذي يأمر فيه . وكذلك المؤمن ؛ لأن معنى الإيمان أنه آمن بوجود إله قادر له كل صفات الكمال المطلق ؛ فإذا اعتقدت هذا ؛ فالإنسان ينفذ ما يأمر به اللّه ؛ ليأخذ الرضاء والحب والثواب . وإن لم ينفذ ؛ فسوف ينال غضب المعبود وعقابه . إذن : فأنت إن فعلت أمره واجتنبت نهيه ؛ نلت الثواب منه ، وإن خالفت ؛ تأخذ عقابا ؛ لذلك لا بد أن يكون أعلى منك قدرة ، ويكون قادرا على إنفاذ الثواب والعقاب ، والقادر هو اللّه جل علاه . أما الأصنام التي كانوا يعبدونها ، فبأي شئ أمرتهم ؟ إنها لم تأمر بشئ ؛ لذلك لا يصلح أن تكون لها عبادة ؛ لأن معنى العبادة يتطلب أمرا ونهيا ، ولم تأمر الأصنام بشئ ولم تنه عن شئ ، بل كان المشركون هم الذين يقترحون الأوامر والنواهي ، وهو أمر لا يليق ؛ لأن المعبود هو الذي عليه أن يحدد أوجه الأوامر والنواهي .