محمد متولي الشعراوي

5807

تفسير الشعراوى

بعث بعثة ؛ ليتعلّم علما من مكان آخر ، ولم يجلس إلى معلّم عندكم ولا إلى معلّم خارجكم ، ولم يتل كتابا ، فإذا كان الأمر كذلك ، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدّمة وتقولوا : فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة ؟ أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات ، ولكن مخايل العبقرية إنما تنشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث ، فمن الذي أخّر العبقرية عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم ، وأنتم أمّة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون « 1 » عليها من قديم ، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ كان يجب أن تقولوا : لم نعرف عنه أنه يعلم شيئا من هذا ، فإذا حلّ لكم اللغز وأوضح لكم : أن القرآن ليس من عندي ؛ كان يجب أن تصدقوه ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه . والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم : القرآن بلاغ عن اللّه ، تكذّبونه ، وتقولون : لا ، بل هو من عندك ، فإذا فتر عنه الوحي مرّة قلتم : قلاه « 2 » ربّه . لماذا اقتنعتم بأن له ربّا يصله بالوحي ويهجره بلا وحى ؟ أنتم - إذن - أنكرتم حالة الوصل بالوحي ، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي ، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم ؛ لتحكموا على هذه الأشياء ، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته ، يقول سبحانه :

--> ( 1 ) المرتاضون : الذين لهم دربة ، قد ذللت ألسنتهم على الفصاحة والبلاغة . ( 2 ) قلاه ربه : أبغضه وتركه . ولذلك قال له ربه : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضحى ] .