محمد متولي الشعراوي
5939
تفسير الشعراوى
أسواقا ، ويعلّقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة شهرة له وشهادة به . إذن : فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام ، وجاءت المعجزة مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من جنس ما نبغوا فيه ؛ لتتحداهم . والتحدي يستدعى استجماع قوة الخصم ؛ ليرد على هذا المتحدى ، فإذا عجز مع التحدي ، يصير العجز ملزما . وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعا بالقرآن كله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » ( 88 ) [ الإسراء ] فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله ، فتدرّج القرآن معهم في التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك ، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ . . ( 13 ) [ هود ] ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن . وعند التأمل نجد أن الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين : فمرة يقول : بِسُورَةٍ مِثْلِهِ . . ( 38 ) [ يونس ] ومرة يقول : بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . . ( 23 ) [ البقرة ] وكل من اللونين بليغ في موضعه ف بِسُورَةٍ مِثْلِهِ . . ( 38 ) تبين أن المثلية هنا محققة ، أي : مثل ما جاء من سور القرآن . وقوله : بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . . ( 23 ) [ البقرة ]
--> ( 1 ) الظهير : المعين والمساعد . قال تعالى : فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ . . ( 86 ) [ القصص ] . وذهب بعض العلماء إلى أن التحدي كان مقصودا به الإنس فقط دون الجن ، لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي ، وإنما ذكرهم اللّه في الآية تعظيما لإعجاز القرآن ، لأن عجزهما معا عن أن يأتوا بمثله دليل على أن الفريق الواحد منهم أعجز . [ انظر : البرهان في علوم القرآن - للزركشى 2 / 111 ] .