محمد متولي الشعراوي
5908
تفسير الشعراوى
وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك ، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة ، مع أن العلم الحديث حين تكلم عن وظائف الأعضاء ، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة . وهذا يعنى أن هناك حواسّا أخرى غير هذه سيكشف عنها ، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها ، مثل حاسة البين بين ، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها ، وكثافة هذا النوع من ذاك ، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين « 1 » . وكذلك حاسة العضل التي تزن ثقل الأشياء ، وتعرف حين تحمل ثقلا ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك ، وهل يختلف عن إجهاد حمل ثقل آخر . وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا : « النظائر حين تخالف فلا بد من علّة للمخالفة » فالسمع آلة إدراك ، والبصر آلة إدراك ، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك « السمع » ، وقال في الآلة الثانية « الإبصار » ؟ ، ولماذا جاء السمع بالإفراد ، وجاء الإبصار بالجمع ، ولم يأت بالاثنين على وتيرة « 2 » واحدة ؟ فنقول : إن المتكلم هو اللّه تعالى ، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان ، وأنت حين تسمع ، تسمع أي صوت قادم من أي مكان ، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة ، فإن أردت أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه
--> ( 1 ) وهذا غير حاسة اللمس التي ندرك بها نعومة أو خشونة هذا القماش أو ذاك ، فهذا يدرك بحاسة اللمس وعادة يكون هذا بإمرار كفّ اليد على القماش ، أما إدراك ( تخانة ) هذا القماش أو ذاك فيكون بإدراكه بهذه الحاسة . ( 2 ) الوتيرة : الطريقة . مأخوذة من التواتر أي : التتابع ، وجرت الأشياء على وتيرة واحدة : أي : بنفس الصفة والطريقة . [ اللسان : مادة ( وتر ) ] .