محمد متولي الشعراوي

5909

تفسير الشعراوى

بعينيك إلى اليمين ، وإن أردت أن ترى ما خلفك ، فأنت تغيّر من وقفتك ، فالأذن تسمع بدون عمل منك ، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة ؛ لترى ما تريد . وأيضا فالسمع لا اختيار لك فيه ، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شئ ، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين . وجاء الحق - سبحانه وتعالى - بالسمع أولا ؛ لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدى مهمتها في الإنسان ، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالبا . وهنا يقول الحق سبحانه : أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ . . ( 31 ) [ يونس ] والحق سبحانه يملكها ؛ لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها ، وهو القادر سبحانه على أن يعطّلها ، وقد أعطانا الحق مثالا لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) [ الكهف ] فعطّل اللّه سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم ، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعا . كيف حدث هذا ؟ . . إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة ، ولذلك عندما بعثهم اللّه تساءلوا فيما بينهم : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . . ( 19 ) [ الكهف ] ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا ، فإن شعورهم قد طالت جدّا ، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيبا وكهولا ، ولذلك قال الحق سبحانه : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً . . ( 18 ) [ الكهف ]