محمد متولي الشعراوي
5167
تفسير الشعراوى
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يذكّر المؤمنين بالوقائع السابقة التي ارتكبها المنافقون والكفار تجاه الإسلام والمسلمين من : مؤامرات على الإسلام ، ومحاولات للإيقاع بين المسلمين ؛ والتآمر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تعالى : ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ له صلّى اللّه عليه وسلّم دليل على تلك الوقائع السابقة « 1 » . أما قوله تعالى وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ . فالتقليب : هو جعل أسفل الشئ عاليه ، وعاليه أسفله ؛ حتى لا يستتر منه شئ . وهذا مظهر نراه في السوق ؛ عندما تذهب عند الفاكهي وتجد ما هو موجود في أعلى الفاكهة منتقى بعناية ، فإذا اشتريت منه ملأ لك الكيس من الصنف الردىء الذي أخفاه أسفل القفص . وهكذا يأتي لك بالأسفل أو بالشئ الردىء المكشوف عورته . والذي لا يمكن أن تشتريه لو رأيته ويضعه لك « 2 » . وهكذا يفعل المنافقون حين يقلّبون الأمر على الوجوه المختلفة حتى يصادفوا ما يعطيهم أكبر الشر للمؤمنين دون أن يصابوا هم بشئ . والمثال الواضح : عندما تآمرت قريش على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجاءوا من كل قبيلة بشاب ليضربوه ضربة رجل واحد ليضيع دمه بين القبائل . لكن الحق سبحانه يأتي إلى كل هذه الفتن ويجعلها لصالح المؤمنين ، ولذلك يقول جل جلاله :
--> ( 1 ) انظر : تفسير ابن كثير ( 2 / 361 ) . أما القرطبي فقد قال في تفسير الآية ( 4 / 3083 ) : « أي : لقد طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم ، وينزل الوحي بما سيفعلونه . وقال ابن جريج : أراد اثنى عشر رجلا من المنافقين ، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم » . ( 2 ) وقد حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها . فنالت أصابعه بللا . فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال : أصابته السماء يا رسول اللّه . قال : « أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ؟ من غش فليس منى » أخرجه مسلم في صحيحه ( 102 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 242 ) والترمذي في سننه ( 1315 ) عن أبي هريرة . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .