محمد متولي الشعراوي
5164
تفسير الشعراوى
حالة هؤلاء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال ، لرأيتهم وهم يزينون لهم الفساد ، ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل ، ولو جدت أن هذا الأمر يتطلب آخر البطء وأول السرعة في الحركة ، كانوا يحتاجون إلى البطء ؛ لأنهم كانوا سيهمسون في آذان المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضى بطئا ، ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس العملية ، ولا بد أن يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الآخر . إذن : فالحركة هنا تحتاج إلى البطء في الوسوسة ؛ وسرعة في الانتقال من مؤمن لآخر . وهذا أدقّ وصف ينطبق على ما كان سيحدث . ولكن ما هدف هؤلاء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول المؤمنين ؟ ويفرّقوهم جماعات ؟ الهدف : أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم ، ويقول الحق سبحانه وتعالى : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي : يطلبون لكم الفتنة ؛ لأن الإنسان الشرير حين يرى خيرا يقوم به غيره ، يجد الملكات الإيمانية في أعماقه تصيبه بنوع من احتقار النفس ، فيحاول التقليل من شأن فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو أن يستهزئ به ، وهذا أوضح ما يكون في مجالس الخمر ، حين يحس الجالسون في هذه المجالس بالذنب الشديد ؛ إن وجد بينهم إنسان لا يشرب الخمر ، فتجدهم يحاولون أن يغروه بكل طريقة ؛ لكي يرتكب نفس الإثم ، فإذا رفض أخذوا يعيّرونه ويستهزئون به ، ويسخرون منه ، ويدّعون أنه لم يبلغ مبلغ الرجال ، وغير ذلك من أساليب السخرية . وأيضا تجد الكذاب يحاول دفع الناس إلى الكذب ، والسارق يغرى الناس بالسرقة ، والمرتشى يحاول نشر الرشوة بين جميع زملائه ، فإذا وجد إنسان نزيه وسط هؤلاء الذين يرتكبون هذه الألوان من السلوك السئ ؛ فهم يضطهدونه ويسخرون منه .