محمد متولي الشعراوي

3967

تفسير الشعراوى

وبعض الناس يحاولون نقد القرآن فيقولون : إنه يكرر المعاني الواحدة ؛ لأنهم لا يمتلكون فطنة أن المتكلم هو اللّه ، وسبحانه يتكلم في كل شئ لأمر حكيم ، فهو هنا يتكلم عن هذه الأشياء كدليل على الخالق ووحدانيته بدليل أنه ذيل الآية بقوله : ( إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ، ولكن الكلام في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد جاء بقصد الحديث عن الانتفاع بها فيقول : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ( من الآية 141 سورة الأنعام ) ولا شك أن استقامة العقيدة بالإيمان بالإله الواحد تحتاج إلى الدليل أولا ؛ لأن فائدتها أشمل ، وأعم ، وأعمق ، وأخلد من الأكل ، لأن الأكل قصارى ما فيه أنه يقوتنا هذه الحياة ، ولكن الأدلة الأولى تعطينا الثواب الباقي والنعيم المقيم ؛ لذلك فالآية الأولى متعلقة بالدليل ، وهذه الآية متعلقة بالانتفاع ، وهنا نلاحظ أنه قال : « كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ » ، وفي هذا إباحة لتناول الأشياء منه قبل أن تنضج دون أن يترتب على ذلك لون من الضرر وإلا عالجناها بما يزيل وينفى عنا الضرر ، فإذا ما وجدت ثمارا لم تنضج لك أن تأكل منها ، ولم يجعل الحق لنا حرجا فيما نحرث ونبذر ونروى ولكن اللّه سبحانه هو الذي يزرع ونحن نأكل منه ، ونجد أهل الريف يشوون الذرة قبل أن تنضج ويقول سبحانه : ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) . لقد قالوا إن الآية مختصة بما يحصد وهي الزروع ، أما الأشياء التي لا يقال فيها : حصد فهي خارجة عن ذلك مثل الفواكه ، لكن الإمام أبا حنيفة يرفض ذلك ويرى : أن كل ما تنبته الأرض ينطبق عليه هذا النص ؛ لأنه لا يصح أن تأخذ معنى الحصاد على العرف ، ولكن بفهم اللغة . ما معنى الحصاد في اللغة ؟ . الحصاد في اللغة القطع ، فحينما تفصل الثمرة المطلوبة فهذا هو الحصاد . ولكن يوم الحصاد للحبوب ؛ تكون الغلال في السنابل ، ويرى الإمام أبو حنيفة أن تعطى من البداية لمن حضر القسمة ، وكذلك حينما تدرسه وتذريه تعطى ، وعندما تغربل الحبوب أعط أيضا ، ويبتدئ الحصاد من ساعة أن تكيل ، وما تقدم غير محسوب ، ما تأتيه من الحق يوم حصاده هو غير المفروض ؛ لأنه لم يقل الحق المعلوم ، وفي هذا اتساع لدائرة امتداد الخير إلى غير الزارعين .