محمد متولي الشعراوي

3968

تفسير الشعراوى

وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( من الآية 11 سورة الأنعام ) والإسراف هو مجاوزة الحد ، والبعض قد فسّر الإسراف بالزيادة فقط ، ولكن الحقيقة أن أي تجاوز للحد زيادة أو نقصا يسمى إسرافا ؛ لأنه مأخوذ من « سرف الماء » ، وهو أن يطلق الماء ويذهب في غير نفع ، وسيدنا مجاهد يقول : لو أن للإنسان مثل جبل أبى قبيس ذهبا ثم أنفقه في حلّ ما عدّ سرفا ، ولو صرف درهما واحدا في معصية يعد سرفا . إذن فمعنى : « وَلا تُسْرِفُوا » أمران اثنان بمعنى لا تتجاوزوا الحدود التي شرعها الحق فتستعملوا هذا في معصية ، أو لا تسرفوا في أن تعطوا للفقير أقل مما يستحق . وكان حاتم الطائي كريما جدا ، وقعدوا يلومونه على هذا الكرم ، فقال واحد له : لا خير في السرف . رد عليه فقال له : ولا سرف في الخير . أي أنه ما دام في الخير فلا يكون سرفا . وإذا كنا سنأخذ الأمر على المعنيين الاثنين : النقص والزيادة ، فما المانع أن نعطى للفقير أكثر ؟ . ويحكى الأثر أن أناسا قد تأخذهم الأريحية والنشاط للبذل والعطاء ساعة يرون كثرة غلتهم ، وما أفاء اللّه عليهم من ريع أرضهم . إنهم يعطون الكثير مثلما عمل ثابت بن قيس ، وكان عنده خمسون نخلة وجزها وأعطاها كلها للفقراء ، ولم يترك لأولاده شيئا . فلما رفع الأمر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له : أعط ولا تسرف ، لماذا ؟ مخافة أن تحتاج بعد ذلك إلى ما أعطيت فتندم على أنك أعطيت . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 142 ] وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 )