محمد متولي الشعراوي

3964

تفسير الشعراوى

إننا نلحظ أن العرب كانوا في بيئة تستجيب وتلبى الصريخ ، فساعد يصرخ من في شدة نزلت به واستنجد ، يجد من ينقذه ، والأولى بالنجدة أهل الرجل وأولاده . والمثال على ذلك ما حدث من جد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حينما ذهب ليحفر البئر ، وجاءت قريش ووقفت له حتى لا يحفر ، فقال : لو أن لي عشرة أبناء سأضحى بواحد منهم . إذن فكثرة الأولاد في هذه المسائل تعطى العزوة وتكثر الصريخ ، ولا يفعل ذلك إلا المفطور على النجدة . وإن قتلت ابنا خوفا من الفقر فقد تخسر رزقا قد يكون في طي من تقتل من الذرية ، وفوق ذلك تفقد مباهج الشأن أو العزوة أو الآل . أو على الأقل أنهم قد خسروا لأنهم عاكسوا مرادات اللّه في الإيجاد بالإنجاب . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ . . ( 140 ) [ سورة الأنعام ] و « سفها » تعنى طيشا ، وحمقا ، وجهلا . . . وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 ) [ سورة الأنعام ] وهم حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم اللّه من الأنعام ، فهم أهل حمق وضلال وخسران فلو تركوها لا نتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن ، أو في أكل لحمها . إنهم بحمقهم وجهلهم قد خسروا كثيرا ، وهم مع ذلك فعلوا ما فعلوا بكذب متعمد على اللّه ، وهم قد ضلوا ولم يكونوا أهلا للهداية ، وكان يكفى أن يصفهم بقوله : « قَدْ ضَلُّوا » ؛ لكنه أضاف : « وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » لأن الضلال هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية ، وقد يكون ذلك عن جهل بالطريق ، لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا الذهاب إلى الضلال مع وجود طريق الحق .