محمد متولي الشعراوي
3951
تفسير الشعراوى
ولو كانوا متيقظين لكان كل أب قد علم ابنه ما ورثه من آبائه من القيم ، وعلى الرغم من ذلك رحم الحق سبحانه وتعالى هذه الغفلة ، وكرّر التنبيه بواسطة الرسل . وكلما انطمست معالم القيم التي يحملها المنهج فهو - جل وعلا - يرسل رسولا رحمة منه وفضلا وعدالة ، ولم يكن يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، والغفلة ضد اليقظة . إذن لو كانوا متيقظين لما كانت هناك ضرورة للرسل ؛ لأن الآباء كانوا سينقلون لأبنائهم القيم كما ينقلون إليهم وسائل حياتهم ، وهذا الأمر مستمر معنا حتى الآن ؛ إن الأب - مثلا - إن غاب ابنه عن المدرسة يوما يلوم الابن ، وإن أهمل في دروسه أو رسب فهو يعاقب الابن ، وهذه هي الغيرة على المستقبل المادي للابن ، ولا غيرة على أدائه لفروض الدين ، لماذا ؟ . إن الناس لو عنوا بمسائل قيمهم كما يعنون دائما بمسائل حياتهم لاستقام منهج الخير في الناس وأصبح أمرا رتيبا . وعرفنا أن الغفلة ضدها اليقظة ، كما أن السهو ضده التذكر ، والغروب ضده الشروق ، والغياب ضده الحضور . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 132 ] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) « ولكلّ » ، وجاءت بالتنوين أي لكلّ من الإنس والجن درجات مما عملوا ، فكأن الأعمال تتفاوت ؛ فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة ، لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل ، أو بإخلاص المقارف للعمل والمكتسب والفاعل له ، فهناك من يخلص بكل طاقته ، وهناك من يؤدى عمله بنصف إخلاص ، ومسألة الإخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى ، ولذلك يقول محمد صلى اللّه عليه وسلّم مبلغا عن رب العزة هذا الحديث القدسي :