محمد متولي الشعراوي
3952
تفسير الشعراوى
« الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادي » « 1 » . إذن فمقاييس الإخلاص لا يعرفها إلا ربنا سبحانه وتعالى ، وعلى مقدار ذلك تكون الدرجات . وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه اللّه عليه ؛ فالحق قد فرض صلوات خمسا ، فيزيد العبد عشر ركعات في اليلة مثلا . واللّه قد فرض الصيام شهرا ، فيصوم العبد يومى الاثنين والخميس . والذي يقف عندما فرض اللّه يجازيه اللّه على إخلاصه في أداء ما عليه ، وحينما سأل أعرابي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن موقف الذي لا يؤدى إلا الفروض فقط ، قال له : ( أفلح إن صدق ) « 2 » ، فالذي يزيد عما فرض اللّه من جنس ما فرض اللّه أشد فلاحا . ولا يصل الإنسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحا إلا إذا كان في درجة أعلى ، وكلمة « درجات » تفيد العلوّ ، وكلمة « دركات » تفيد الهبوط ، والحق لا يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لأي عبد . ويقول سبحانه من بعد ذلك : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 133 ] وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) وهنا يحنننا اللّه سبحانه وتعالى إلى عبادته ، وإلى تكاليفه ؛ يحنننا إلى فضيلة الطاعة ، وكل ذلك لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة ، فيحسن لنا الجزاء ، ويفخم لنا فيه لنعمل لصالحنا نحن ؛ لأن كل أعمالنا - كما قلنا - لا تزيد في ملك اللّه قدر جناح بعوضة ، وكل معصياتنا لا تنتقص من ملك اللّه قدر جناح بعوضة ؛ لأن اللّه بكل صفات الكمال خلقنا ، ولم نزده نحن شيئا . لقد أوجد الدنيا من عدم ،
--> ( 1 ) رواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي بن أبي طالب . ( 2 ) رواه النسائي والبيهقي في السنن الكبرى .