محمد متولي الشعراوي

3935

تفسير الشعراوى

الربوبية ، والربوبية عطاء الرب ، إنه سيد ، ومرب ، وخالق الخلق ويضمن لهم ما يعينهم على مهمتهم في الوجود معونة ميسرة سهلة . وهكذا نعرف أن طريق الحق هو الصراط المعبد المستقيم ، أي الذي يصل بين البداية والنهاية . فإن كان الطريق الذي نتبعه مستقيما ومعبدا ، وسهلا ، فلماذا لا نتبعه ؟ « وَهذا صِراطُ رَبِّكَ » . ونلحظ أنه سبحانه قد أسند الرب لمحمد ، أي من أجل خاطره جعل الصراط مستقيما ؛ لأنه سبحانه هو المتولى لربوبيتك يا محمد ، وسبحانه رب الكون كله ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عين أعيان الكون . وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) ( سورة الأنعام ) « فصّلنا » أي أنّ كل شئ في هذا الكون مخلوق لما يناسبه ، وكل قضية من قضايا الكون خلقها ربنا لتحقق الفائدة منها بدون مشقة ، وبدون عنت . والمنهج الذي أنزله اللّه إنما يصلح الكون ويجعل كل شئ فيه مناسبا لمهمته ؛ لأن اللّه إله كل الناس وهم بالنسبة إليه سواء لأنه لم يتخذ لا صاحبة ولا ولدا . ولا يعطى سبحانه الحياة لمخلوق ويوجده في الكون ، ثم يعرّيه من أسلحه الحركة في الحياة ، ولكل إنسان سلاح من موهبة أو قدرة وبذلك تتعدد الأسلحة والمواهب والقدرات ، فمن يريد أن يبنى بيتا ، أنقول له : اذهب إلى كلية الهندسة لتتعلم كيف ترسم البيت وتخططه ؟ أنقول له : تعلم كيف تكون فنيّا وكهربائيّا ونقاشا ؟ إن الفرد الواحد لا يمكن أن يتعلم كل هذه التخصصات ، لذلك وزّع اللّه المواهب على خلقه ؛ هذا عنده موهبة ليعمل لنفسه ، ويعمل لغيره . وبعد ذلك يأتي غيره ليؤدى له عملا ليس له فيه موهبة بحيث يتكامل المجتمع كله ولا يتكرر أفراده . ولو كنا تخرجنا جميعا كأطباء أو مهندسين لما نفعت الدنيا ، ومن نقول عليهم : إنهم فشلوا في التعليم يقومون بأعمال في الحياة ما كنا نستطيع الحياة بدونها ؛ فقد خلقهم اللّه بقدرات عقلية محدودة ليهبهم قدرات أخرى تصلح في مهمات أخرى . وإن تعلم المجتمع كله تعليما عاليا لصار الهرم مقلوبا . وإن انقلب الهرم فمعنى هذا أن أجزاء منه ستكون بغير دعائم في الأرض . لذلك نجد أن هناك إعدادا عقليا أراده الحق لكل واحد من الخلق ، ولا نستطيع أن نقول لكل إنسان : تعلم وتخرج في