محمد متولي الشعراوي
4493
تفسير الشعراوى
والحق سبحانه وتعالى لم يكلف الإنسان إلا حين يبلغ ويعقل ؛ لأنه حين يبلغ تصير له ذاتية مستقلة عن أهله وعن أبيه وأمه ؛ لذلك نلاحظ الطفل وهو صغير يختار له والده أو والدته الملابس والطعام ، وبعد أن يكبر نجد الطفل قد صار مراهقا يتمرد ويقرر أن يختار لنفسه ما يريده لأنه قد صارت له ذاتية ، والذاتية - كما نعلم - توجد في النبات وفي الحيوان والإنسان وذلك بمجرد أن يصير الفرد منها قادرا على إنجاب مثله ، سواء كان هذا الفرد من النبات أو الحيوان أو الإنسان . أما إن كان الإنسان قد صارت له ذاتية في الإنجاب والنسل ، وليست له ذاتية ناجحة عاقلة في التفكير ؛ فهنا يسقط عنه التكليف ؛ لأنه مكره بفقدان العقل . وهكذا نعرف أن التكليف يسقط عن الذي لم يبلغ ، والمجنون والمكره بمن هو أقوى منه ، وهذه عدالة الجزاء من الحق ، وهكذا نجد أن التكليف لا يلزم إلا من بلغ جسمه ونضج عقله ، وبهذا يحرس ربّنا الكون بقيّوميّته . وإذا كان المجنون هو فاقد الميزان العقلي الذي يختار بين البديلات ، فكيف يقولون ذلك على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو قد عاش بينهم ، ولم يكن قط فاقدا لميزان الاختيار بين البديلات ، بل كانوا يعتبرونه الصادق الأمين ، وكانوا يحفظون عنده كل غال نفيس لهم حتى وهم كافرون به . وخلقه الفاضل ذاتي مستمر ودائم . لقد قالوا ذلك على محمد ظلما له ، وبغو غائيّة ، وكل واحد يلقى اتهاما ليس له من الواقع نصيب ؛ لذلك قال الحق تبارك وتعالى لأصحاب هذه الاتهامات : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ( من الآية 46 سورة سبأ ) أي أن يجلس كل اثنين ويتدارسا : هل محمد عاقل أم مجنون ؟ وسيجد كل منهما من واقع تجربته أنّ محمدّا هو أكثر الناس أمانة ، وكان الجميع يسمونه