محمد متولي الشعراوي
4491
تفسير الشعراوى
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ( من الآية 44 سورة الأنعام ) وهكذا يكون الآخذ أخذ عزيز مقتدر . وحين يستدرج البشر ، فإن الطرف المستدرج له أيضا ذكاء ، ويعرف أن هذا نوع من الكيد وفخ منصوب له ، لكن حين يكون ربنا القوى العزيز هو الذي يستدرج فلن يعرف أحد كيف يفلت . والعلة في قوله : " سنستدرجهم " هي قوله : مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ؛ لأن البشر يعلمون طرق استدراج بعضهم لبعض . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 183 ] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) والإملاء هو الإمهال وهو التأخير ، أي أنه لا يأخذهم مرة واحدة ، فساعة يقوم الفاسد بالكثير من الشر في المجتمع ، نجد أهل الخير وهم يزيدون من فعل الخيرات ، ونسمع دائما من يقول : لو لم يكن هناك إيمان لأكل الناس بعضهم بعضا ، فالإيمان يعطى الأسوة واليقين . والإملاء للظالم الكافر ليس إهمالا له من المولى تعالى ، بل هو إمهال فقط ، ثم يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وهنا يوضح الحق : إذا كنت سأستدرج وسأملى فاعلم أن كيدي متين . والكيد هو المكر ، والمكر أخذهم من حيث لا يشعرون وهو عملية خفية تسوء الممكور به . وهو تدبير خفى حتى لا يملك الممكور به ملكات الدفع . وإذا كان البشر يمكرون ويدبرون تدبيرا يخفى على بعضهم ، فماذا حين يدبر الله للكافرين مكيدة أو مكرا ؛ أيستطيع واحد أن يكشف من ذلك شيئا ؟ . طبعا لن يستطيع أحد ذلك . هذا هو معنى إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ؛ ومتين أي قوى ، والمتانة مأخوذة من المتن وهو الظهر ، ونعرف أن الظهر مكوّن من عمود فقرى وفقرات عظمية ، تحيط بها عضلات . فلو كان العمود الفقرى من عظم فقط لكان