محمد متولي الشعراوي
4455
تفسير الشعراوى
الشاة عنها ، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها ، وهذا يعنى أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان ؛ لأن هذا الكيان العام فيه شرايين ، وأوردة ، ولحم ، وشحم ، وعظام . وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان ، ولذلك سمى الخارج عن منهج الله « فاسقا » مثله مثل الرطبة من البلح ، فبعد أن تضرب الشمس البلحة يتبخر منها بعض من الماء ، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة ، ولذلك سمى الخارج عن المنهج « فاسقا » من فسوق الرطبة عن قشرتها ، والله عز وجل يقول هنا : آتَيْناهُ آياتِنا . وكان يجب ألا يغفل عنها ، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها ، لكن الإنسان انسلخ من الآيات . ونعرف جميعا ثوب الثعبان وهو على شكل الثعبان تماما ، ويغير الثعبان جلده كل فترة ، ولا ينخلع من الجلد القديم إلا بعد أن يكون الجلد الذي تحته قد نضج ، وصلح لتحمل الطقس والجو ، وكذلك حين يندلق سائل ساخن على جلد الإنسان ، تلحظ تورم المنطقة المصابة وتكون بعض المياه فيها ، ولو أفرغ الإنسان هذه المياه تصاب هذه المنطقة بالتهاب ، أما إذا تركها فهي تحمى المنطقة المصابة إلى أن يتربى الجلد تحتها وتجف وتنفصل عن الجسم ، وكذلك نعلم أن الشاة - مثلا - لا تسلخ نفسها . بل نحن نسلخها ، والحق سبحانه وتعالى يقول : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ( من الآية 37 سورة يس ) فكأن الليل كان مجلدا ومغلفا بالنهار ، والليل أسود ، والنهار فيه الضوء ، ونعلم أن اللون الأسود ليس من ألوان الطيف ، وكذلك اللون الأبيض ليس من ألوان الطيف ؛ لأن ألوان الطيف : الأحمر ، البرتقالى ، الأصفر ، الأخضر ، الأزرق ، النيلي ، البنفسجى ، واللون الأسود يأخذ ألوان الطيف ويجعلها غير مرئية ، لأنك لا ترى الأشياء إلا إذا جاءت لك منها أشعة لعينيك ، واللون الأسود يمتص كل الأشعة التي تأتى عليه فلا يرتد إلى العين شعاع منها فتراه مظلما . والأبيض هو مزيج من