محمد متولي الشعراوي
4456
تفسير الشعراوى
ألوان متعددة إن مزجتها مع بعضها يمكنك أن تصنع منها اللون الأبيض ، وهكذا نعلم أن الأبيض مثله مثل الأسود تماما ، فالأسود يمتص الأشعة فلا يخرج منه شعاع لعينيك ، والأبيض يرد الأشعة ولا يخرج منه شعاع لعينيك . وقوله الحق : نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ كأن سواد الليل جاء يغلف بياض النهار . وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان : إنه يصلح لأن يتبعني ، وكأن الشيطان حين يجد واحدا فيه أمل ، فهو يجرى وراءه مخافة أن يرجع إلى ما آتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج ، ويزكى الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا . وقلنا من قبل : إن المعاصي تأتى مرة من شهوة النفس ، ومرة من تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق ، وقلنا : إن الشيطان لا يجرؤ عليك إلا إن أوضحت للشيطان سلوكك أن له أملا فيك ، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها ، والشيطان لا يذهب - مثلا - إلى الخمارة ، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير ، أما الآخرون فنفوسهم جاهزة له . إذن فالشيطان ساعة يرى واحدا بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه الآيات ثانية ، ولذلك لا بد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من النفس أم من نزغ الشيطان ، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارىء ثم ألححت عليها ذاتها مرة ثانية ، فاعلم أنها شهوة نفسك . لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من نزغ الشيطان ؛ لأن الشيطان لا يريدك عاصيا بمعصية مخصوصة ، بل يريدك بعيدا عن المنهج فقط ، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها ، فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك ، فاعلم أنها من نفسك ، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها ، ثم فكرت في معصية ثانية . فهذا نزغ من الشيطان - ويقول الحق : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( من الآية 175 سورة الأعراف )