محمد متولي الشعراوي
4453
تفسير الشعراوى
ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 174 ] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) والآيات التي فصلها الحق هنا هي العهود الخاصة ، ورفع الجبل ليأخذوا التوراة بقوة ، وكذلك العهد العام الذي اشترك فيه كل الخلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة ، وجاء سبحانه بكل ذلك ليؤكد لهم أن قضية الإيمان عقيدة يجب أن تكون في بؤرة الشعور ، فمن غفل فليتذكر ، ومن قلد آباه في شئ مخالف للمنهج القويم ، فليرجع عن هذا التقليد ؛ لأن التكاليف الإيمانية تكاليف ذاتية ، وسبحانه لا يكلفك وأنت في حاجة إلى أبيك ، أو إلى أمك . لكنه يكلفك من بعد البلوغ ؛ لأنك بعد البلوغ تستقل بذاتيتك استقلالا كاملا مثل والدك ، وما دمت مكتمل الرجولة كوالدك وصالحا للإنجاب فلا ولاية إيمانية لأبيك عليك أبدا ، فلا تقل إنني أقلد أبى ولو كان على غير المنهج السليم ؛ لأن . مثل هذا القول يمكن أن يكون مقبولا لو كان التكليف للإنسان وهو في دور الطفولة ، حيث الأب يسعى لإطعام أبنائه ورعايتهم ، لكن التكليف لا يأتي للإنسان إلا بعد البلوغ ، ومعنى بعد البلوغ : أنك صالح لإنجاب مثلك ورعاية نفسك . ولذلك يطلب الحق سبحانه وتعالى من الآباء أن يدربوا أبناءهم ويعودوهم على مطلوبات التكليف قبل مجىء أو ان تكليف الله ، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع . . إلخ ) « 1 » الأب إذن يأمر ويعاقب قبل أوان التكليف ليتدرب الأبناء عليه ويصير دربة سهلة لا يتعب منها الإنسان بعد البلوغ . وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . أي أن على الغافل أن يرجع عن غفلته فيتذكر ، وأن يرجع المقلد لآبائه
--> ( 1 ) رواه أبو داود بإسناد حسن ( رياض الصالحين ص 181 )