محمد متولي الشعراوي

4432

تفسير الشعراوى

يقتضى تساوى وضع الجبهة على الأرض ، ولكنهم يسجدون بميل إلى الحاجب الأيسر لأن السابقين لهم رأوا الجبل فوقهم وتملكهم الخوف من سقوط الجبل ، وكانوا يسجدون وفي الوقت نفسه يرقبون الجبل ، وبقيت هذه المسألة لازمة فيهم ، وصاروا لا يسجدون إلا على حاجبهم الأيسر ، بسبب حكاية الجبل الذي نتقه الله وقلعه ورفعه فصار فوقهم . وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ . والظن هو رجحان قضية ، وقد يأتي ويراد به أنه رجحان قوى قد يصل إلى درجة اليقين ، مثل قوله الحق : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وحين بقيت الحالة هذه ، وخافوا من الجبل أن يقع عليهم ، ولأن هناك كتابا قد أنزل إليهم وهو التوراة وهم يعصون ويتمردون على ما فيه ؛ لذلك قال لهم الحق : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( من الآية 171 سورة الأعراف ) و « خذوا » فعل أمر ، والأمر يقتضى آمرا ، ولا بد له من شئ يأمر به . وكلمة « القوة » هذه هي الطاقة الفاعلة ، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شئ بقوة ؛ لأن الكون الذي تراه مسخرا ليس له رأى في أن يفعل أو لا يفعل ، بل هو فاعل دائما إذا أمر ، وكما قلنا من قبل : لم تغضب الشمس على الناس وقالت : لن أطلع هذا اليوم ، وكذلك لم يمتنع الهواء ، وأيضا لا يرفض الحمار مثلا أن يحمل الروث ، أو أن ينظفه صاحبه ويأتي له ب « البرذعة » ليجعله ركوبة متميزة ، الحمار إذن لا يعصى هنا ولا يعصى هناك ، والكون كله مسخر بقوانين مادية ثابتة . لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) ( سورة يس ) وقد وضع الحق هذا النظام للكون نظرا لأنه مقهور وليس له تكليف ، والمحكوم بالغريزة الكونية صالح للحياة عن المحكوم بالاختيار الفعلي ، ومع هذا الاختيار