محمد متولي الشعراوي

4433

تفسير الشعراوى

فالإنسان له أشياء تفعل فعلها فيه ولا يدرى عنها شيئا مع أن بها قوام حياته ، فلا أحد يمسك قلبه ويضبطه ويقول له : دق ، والرئة كذلك وحركة التنفس ، والحركة الدودية في الأمعاء ، والحالب ، ويرغب الإنسان في دخول دورة المياه عندما تمتلئ المثانة بالبول ، كل هذه مسائل رتيبة لا اختيار للإنسان فيها أبدا ، والأمور المحكومة بالغرائز ليس لنا فيها اختيار ، كأن يأكل الإنسان ويتكلم في أثناء تناول الطعام فتنزل حبة أرز في القصبة الهوائية فيحاول الإنسان أن يطردها بالسعال ، هذا اسمه « غريزة » أي أمر غير محكوم بالفعل الاختياري . وكذلك الحيوان إذا أحضرت له طعاما فهو لا يأكل أكثر من طاقته حتى لو ضربه صاحبه . أما الإنسان فقد يأكل بعد أن يشبع ، وحين يقول له مضيفه - على سبيل المثال - : أنت لم تذق هذا اللون من اللحم ، فيأكل . ولهذا نجد أن الأمراض في الانسان أكثر من الأمراض في الحيوان ؛ لأن اختيار الإنسان يمتد إلى مجالات متعددة متفرقة قد تضر به وتؤذيه . ونعرف جميعا هذا المثال للفارق بين الإنسان والحيوان ، نجد الإنسان يغلى النعناع ويشربه ، ويطبخ الملوخية ليأكلها ، وقد فعل ذلك لأنه اختبر الاثنين ، فلم يأكل النعناع وأكل الملوخية ، رغم تشابه أوراقهما . لكن هات شجرة النعناع أمام الجاموسة أو الحمار ، وهات النجيل الناشف وضع الاثنين أمام الجاموسة أو الحمار ، ستجد الجاموسة والحمار يتجهان إلى النجيل الناشف ويتركان نبات النعناع الأخضر الرطب ، وهما يفعلان ذلك بالغريزة ، فالمحكوم بالغريزة له نظام ، ولو كان الحيوان مختارا لارتبكت حركة الحياة كلها واختلطت واشتد على الناس شأنها . وهكذا نعرف أن مقومات الحياة تقوم على قوانين الغريزة ، وهذه القوانين موجودة في الكون لتخدمنا نحن بنى البشر . فالكهرباء مثلا كانت موجودة قبل أن ننتفع بها ، لكن بعد ذلك انتفعنا بها ، وكذلك الجاذبية ، كانت موجودة في الكون منذ الأزل ، لكنا لم ننتبه لها ، وحين اكتشفناها زادت قدراتنا على الاستفادة منها ، وهكذا نرى أن الإنسان واحد من هذا الكون ، إلا أنه يتميز بأن له جهة اختيار في