محمد متولي الشعراوي

3924

تفسير الشعراوى

لكنهم أرادو معجزة حسية ، وأخرى عقلية ، حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية ، فحسم الحق الأمر وقال : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » . ولو نظروا إلى كلمة « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ، فكلمة « أعلم » تدل على أنه قد يمكّن اللّه بعضا من خلقه ليعلموا لماذا اختار اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن الذين واجههم صلّى اللّه عليه وسلّم بأمر الدعوة ، هل انتظروا منه أن تكون له آية أو معجزة ، أو آمنوا به بمجرد الإخبار ؟ . لقد آمنوا بمجرد الإخبار ؛ لأن تجربتهم معه أكدت أنه صادق وأمين على خبر الأرض ، ولا بد أن يكون مأمونا على خبر السماء ؛ لأنه لم يكذب عليهم في أمر الأرض ، فكيف يكذب في أمر السماء ؟ إننا نجد أن سيدنا أبا بكر ، بمجرد أن علم بأمر الرسالة قال : صدقت ، وسيدتنا خديجة صدقته من فور أن قال ، وأخذت صدق بلاغة من مقدمات حياته ، وقالت أول استنباط فقهى في الإسلام . وكان ذلك لسيدتنا أم المؤمنين خديجة قبل أن يعرف الفقه بمعناه الإصطلاحى الحديث ، مما يدل على أن الاستنباطات للأدلة هي استنباطات للعقل الفطري السليم البعيد عن الأهواء . إنه يقدر أن يستقرىء الأمر ولا بد أن يهتدى ، فحين أعلن لها أنه خائف أن يكون الذي أصابه مرض أو مس من الجن رفضت ذلك لأنه يصل الرحم ، ويحمل الكلّ ، ويعين على نوائب الدهر ، وقالت له : واللّه لا يخزيك اللّه أبدا . إذن فقد جاءت بالمقدمات التي ترشح أن ربنا لا يمكن أن يخذله ، وكل المقدمات مفاخر ، كلها خلق عظيم ، وكلها التقاءات إنسانية قبل أن يأتي منهج السماء ، التقاءات إنسانية بالفطرة دون تقدير أو تدبير ، وكان هذا أول استنباط فقهى في الإسلام . ولذلك نعرف السر لماذا جعل اللّه لرسوله أم المؤمنين خديجة أول زوجة له ؟ لأنه ستمر به فترة لا يحتاج فيها إلى زوجة فقط ، بل إلى ناضجة ، ذلك النضج الكامل الذي تستقبل به مسائل النبوة ، ولذلك حين يخرج إلى الغار تأتى له حكمة خديجة في الاستنباط قبل أن يوجد فقه الإسلام ؟ « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ؟ ، وهم قد أصروا على ألا يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه خصالا وأشياء حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول .