محمد متولي الشعراوي
3925
تفسير الشعراوى
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ( من الآية 124 سورة الأنعام ) هنا نجد فجوة انتقالية في الأداء ، فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار ، فيأتي ليقول : إن الصّغار سيصيبهم ، وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس ، لا ، بل صغار وذل وهوان عند نفس كل منهم ذاتيّا ، فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ويستصغر نفسه . كأن الصغار سيصيب الإنسان في نفسه ، ويكون هذا الصغار من عند اللّه ، وما دام الصغار منسوبا إلى عندية اللّه فهو لا يزول أبدا ؛ لأنه لا توجد قوة ثانية تقول للّه إن قدرك لن يتحقق . فالصغار والذل والهوان سينزل بهم وهم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم ، وسيصيبهم مع ذلك عذاب شديد . لماذا العذاب الشديد ؟ لقد قلنا من قبل : إن العذاب يوصف مرة بأنه أليم ، ويوصف مرة أخرى بأنه مهين ، ويوصف هنا بأنه شديد . والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس . والعذاب الأليم الذي يكون في البنية ؛ لأن الإنسان له بنية وله معنويات قيمية ، فمن ناحية البنية يصيبه العذاب ، ومن ناحية المعاني النفسية تصيبه الإهانة ، فهناك من يتعذب لكنك لا تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة ، ومهما تلقى من الإهانة فلا تزال نفسه كريمة عليه ، مصداقا لقول الشاعر : وتجلدى للشامتين أريهمو * أنى لريب الدهر لا أتضعضع لذلك ينزل قدر اللّه بالعذاب على نوعين : عذاب بنية وعذاب قيم ، وهذا هو الصغار ، والعذاب الشديد ، وهو الذي لا يقوى الإنسان على تحمله ، ولم ينزل الحق العذاب بهؤلاء جزافا ، لكنه بسبب ما كانوا يمكرون ، فسبحانه هو القائل : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( من الآية 118 سورة النحل ) والحق سبحانه وتعالى حينما عرض هذه القضية عرضها ليبين لنا أنه لم يرغم بقدره خلقا من خلقه على مسائل الاختيار في التكليف بل أوجد ذلك في إطار :