محمد متولي الشعراوي
4403
تفسير الشعراوى
هذه الآية تدل على أنهم افترقوا فرقتين ؛ لأن الحق سبحانه ما دام قد قال : مِنْهُمْ فهذا يعنى أن بعضهم قالوا وفعلوا المطلوب ، وبعضهم ظلموا وبدلوا القول ، فقد أمرهم الحق أن يقولوا : « حطة » وطلب منهم أن يدخلوا سجدا . والتغيير منهم جاء في القول ؛ لأن القول قد يكون بين الإنسان وبين نفسه بحيث لا يسمعه سواه . لكن الفعل مرئى مما يدل على أن بعضهم يرائى بعضا ، ففي القول أرادوا أن يهذروا ويتكلموا بما لا ينبغي ولا يليق ، فبدلا من أن يقولوا : « حطة » قالوا : « حنطة » استهزاء بالكلمة . وهكذا نرى أن التبديل جاء في القول ، لكن الفعل لم يأت فيه كلام ، وإن قال بعضهم : إن التبديل أيضا حدث من بعضهم في الفعل . فبدلا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا زاحفين على مقعداتهم ، كنوع من التعالى ، لكن الحق لم يذكر شيئا من ذلك ؛ لأن سلوكهم في الفعل قد يكون السبب فيه أن بعضهم لا قدرة له على الفعل . فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ( من الآية 162 سورة الأعراف ) وكأن الحق يذكرنا بما فعله معهم من رعايتهم في أثناء التيه وكيف ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى ، واستسقى لهم موسى فجاءت المياه . لكن غريزة التبديل والتمرد لم تغادرهم . وما داموا قد بدّلوا في كلمات اللّه ، فعليهم أن ينالوا العقاب : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ . وهناك آية ثانية في سورة البقرة يقول فيها الحق : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ . والفارق بين « الإنزال » وبين « الإرسال » أن الإنزال يكون مرة واحدة . أما الإرسال فهو مسترسل ومتواصل . ولذلك يقول الحق سبحانه في